في عقد المقاولة، متى أجاز القانون لربّ العمل أن يوقف التنفيذ أو يتحلل من العقد بإرادته المنفردة، فإن حق المقاول ينحصر بالتعويض عن خسارته وما فاته من كسب، ويغدو التنفيذ العيني مستحيلاً؛ لذلك لا يُشترط إعذاره قبل رفع دعوى التعويض.
إذا أغلق المشرع باب التنفيذ العيني حين أباح لرب العمل التحلل من عقد المقاولة بإرادته المنفردة فليس من مجال لفرض الإعذار على المقاول طالب التعويض لاستحالة التنفيذ المناقشة: حيث أن دعوى الطاعن تقوم على أنه تعاقد مع الجهة المطعون ضدها على توريد العمال خلال المدة المحددة في العقد الجاري بين الطرفين. وأن الجهة المطعون ضدها أقدمت على فسخ العقد دون مبرر قبل انتهاء مدته بسنتين. وانتهى إلى طلب أجوره المدعى بها بداعي استحقاقه لها. ومن حيث أن الحكم المطعون فيه بعد أن قرر فسخ الحكم البدائي، قضى برد الدعوى. وحيث أن مبنى الطعن أن ما قضى به هذا الحكم مشوب بمخالفة تفسير المادة 219 مدني، لأن القانون لا يوجب على الطاعن توجيه الإعذار قبل إقامة الدعوى. وحيث أن الحكم المطعون فيه، بعد أن وصف العقد الجاري بين الطرفين بأنه عقد مقاولة، أسس قضاءه برد الدعوى على أن دعوى الطاعن تنصب على مطالبة الجهة المطعون ضدها بالتعويض لعدم الوفاء بالتزاماتها العقدية. وأن هذه الدعوى يجب أن يسبقها إعذار من المدعي، وأن سكوته عن توجيه الإعذار يحمل منه محمل التسامح، وأنه لم يصب بضرر، وأن ادعائه أما محكمة الصلح بالمطالبة بالتعويض دون طلب التنفيذ لا يقوم مقام الإعذار، سيما وأن الدعوى الصلحية ردت لعدم الاختصاص الوظيفي. وحيث أن المادة 629 مدني أجازت لرب العمل أن يتحلل من العقد ويوقف تنفيذه في أي وقت قبل إتمامه، على أن يعوض على المقاول جميع ما أنفقه من المصروفات وما أنجزه من الأعمال وما كان يستطيع كسبه لو أنه أتم العمل. وحيث أن مفاد هذا النص، الخاص بعقد المقاولة، الترخيص لرب العمل بالتحلل من العقد بإرادته المنفردة، على أن لا يكون للمقاول سوى الحق بالتعويض عما تكبده من خسارة، وما فاته من كسب كجزاء على تصرف رب العمل. وحيث أن المشرع يكون بذلك قد أقفل في وجه المقاول باب التنفيذ العيني. وحيث أن المادة 219 مدني التي أوجبت لاستحقاق التعويض سبق الإعذار، إنما يتصل حكمها بعدم قيام المدين بالتنفيذ العيني، أو بتأخره في تنفيذه، كما يكون التعويض بديلاً عن أيهما. وحيث أن هذه المحكمة انتهت إلى أنه ليس للمقاول المطالبة بالتنفيذ العيني بعد استعمال رب العمل رخصة المشرع له، مما تنتفي معه حكمة التشريع بتوجب الإعذار. ويكون ما قضى به الحكم لهذه الناحية بلا سند في القانون ويتعين نقضه.