في المواد الجزائية، لا تكون الضبوط والاعترافات حجةً لازمةً على المحكمة إلا بقدر ما تطمئن إليه من صحتها بعد التمحيص، ويجوز طرحها إذا شابها شك أو ادعاء بالإكراه، كما أن الاعتراف حجة قاصرة على صاحبه ولا يمتد إلى غيره.
لما كانت الأصول الجزائية قد بحثت عن الضبوط وقوة اثباتها وقسمتها إلى ثلاث فئات: 1 – ما يجب العمل به حتى يثبت تزويره وفقاً للمادة 182 من هذه الأصول. 2 – ما يجب العمل به حتى يثبت عكسه وفقاً للمادة 187 منها. 3 – ما لا يجب العمل به وجوباً بل يعتبر من قبيل المعلومات العادية وفقاً للمادة 180 منها. وكانت الضبوط المنظمة في الدعاوى الجنائية من النوع الثالث التي لا تقيد محكمة الجنايات بل تعتبرها دليلاً عادياً من جملة الأدلة المعروضة عليها وهي تابعة للمناقشة والتمحيص ومفتقرة للتأييد بالقرائن والأدلة الأخرى، حتى إذا اطمأنت المحكمة إلى ما جاء بها واعتمدت على صحتها واقتنعت بها عملت بموجبها، وإلا ردتها ولم تستند اليها. وكان الاقرار في الأمور الجزائية لا يخرج عن هذه القاعدة ولا يعدو أن يكون دليلاً كغيره من الأدلة القائمة في الدعوى بل لا يبعد أن يكون دليلاً ضعيفاً الاحتمال اقرار الظنين باقتراف الجرم المسند اليه وتحمل مسؤوليته تخليصاً لغيره أو في مقابل نفع بأمله أو دفع ضرر يخشاه. وكان القضاء مؤسسة عدل وانصاف يقوم على الحق ويحكم بالقسط وهو يعتمد على اظهار الحقيقة واضحة جلية بأدلة قويمة، ويطرح كل دليل يشوبه الغموض أو يتطرق اليه الشك، ولا يسوغ في شره أو يستند إلى دليل أخذ بالضغط والاكراه أو الخديعة والاحتيال، كما وأن العدالة لا تتحقق إلا إذا كان المحكوم عليه هو الذي ارتكب الجرمن إذ لا مصلحة لها بانزال العقوبة بشخص بريء وترك المجرم بدون عقاب. وكان الدليل ما يوصل إلى اليقين، والشك يفسر في مصلحة المتهم، والحدود تدرأ بالشبهات، والظنين غير ملزم بما ورد في أقواله السابقة بل يمكنه أن يتكلم الحقيقة في كل دور من أدوار المحاكمة أو التحقيق وينفي الجرم عن نفسه ويراجع عن اقراره حتى ولو كان أمام المحكمة، وإذا كان المقر مؤاخذاً باقراره في القواعد المدنية فليس من الواجب أن يدان به غير المقر لأن الاقرار حجة قاصرة لا تسري على غير أصحابها لاسيما وقد ادعى المتهم أن الاعتراف كان نتيجة ضغط وتعذيب وأيد دفعه بتقرير طبي. وعلى ضوء هذه المبادىء القانونية التي استقر عليها القضاء واجتهاد هذه المحكمة المستمر والمؤيد بقرارها الصادر عن الهيئة العامة في 6 / 4 / 1942 وقرارها المؤرخ في 26 / 12 / 1963 يجب دراسة هذه الدعوى والحكم بها.