الأصل أن محكمة النقض لا تنظر إلا في الأحكام الصادرة بالدرجة الأخيرة، ولا يجوز أن تمتد رقابتها إلى حكم غير مطروح عليها بطريق الطعن الصحيح. وإذا كان للمحكوم عليه غيابياً طريق اعتراض ما يزال قائماً، امتنع الطعن بالنقض قبل استنفاد هذا الطريق، وينحصر فحص النقض بالحكم الأخير من حيث سلامة تطبيق القانون.
المشرع حظر الطعن بطريق النقض ما دام باب الاعتراض مفتوحاً أمامهان الطعن الواقع على الحكم الاستئنافي القاضي برد الاعتراض للحكم الغيابي الأول لايشمل الحكم الغيابي الأول والبحث فيه وانما ينحصر التدقيق بالحكم الصادر بالدرجة الأخيرة فقط وبمدى انطباقه على القانون . المناقشة: في الطلب:حيث أن الغرفة الجزائية الثانية لدى محكمة النقض طلبت بقرارها الصادر في 30 / 4 / 1973 العدول عن الاجتهاد المستقر المتضمن أن رد الطعن بالمحاكمة الاعتراضية يقف – عند نظره من قبل محكمة النقض دون وصول أسباب الطعن الى الحكم الغيابي الأول ويحول دون البحث فيها (اجتهاد صادر في الجنحة رقم 2099 قرار 1996 تاريخ 31 / 8 / 1968 ) ومستمر حتى تاريخه، وهي تعتمد في طلبها الأسباب التالية:1 – إن المادة 209 أصول جزائية التي بحثت حالة الطعن بالحكم الغيابي القاضي برد الاعتراض بينت أن هذا الحكم يقبل الاستئناف وإن هذا الاستئناف يشمل الحكم الغيابي الأول.2 – إن المادة 257 من نفس الأصول أدخلت هذه القواعد والاجراءات في المحاكمة الاستئنافية.وبناء على ذلك فإنها تطلب:1 – الزام محاكم الاستئناف ببحث الحكم الغيابي الأول عندما يطعن أمامها بالحكم الصادر عن محكمة أول درجة والقاضب برد الاعتراض.2 – اعتبار هذا الاجراء مرعياً في أصول المحاكمة لدى محاكم الاستئناف وملزماً بالتالي لمحكمة النقض.2 – في مناقشة هذا الطلب:حيث أن الأحكام الصادرة بالدرجة الأخيرة هي وحدها التي تقبل الطعن بطريق النقض ما لم ينص القانون على خلاف ذلك (المادة 336 أصول جزائية) ومؤدى ذلك أن هذه المحكمة لا تنظر في الدعوى إلا عن طريق الطعن لديها بتلك الأحكام ولا يحق لها أن تصل مباشرة في موضوع لم يصل اليها عن هذا الطريق.فهي محكمة رقابة وقانون وليست محكمة أساس وموضوع. وبذلك فإنها لا تنظر الا في مسائل القانون وحسن تطبيقه المعددة حصراً في المادة 342 أصول جزائية بعكس محاكم الأساس التي يطرح النزاع برمته أمامها ثم ينشر بكامله مجدداً لدى الاستئناف.ومحاكم الاستئناف بوصفها درجة ثانية من درجات المحاكمة مخولة نفس السلطات لمحاكم الدرجة الأولى وعليها إذا فسخت الحكم المستأنف لأي سبب – بما في ذلك حالة عدم الاختصاص – أن تقضي في أساس الدعوى بصراحة المادة 260 أصول جزائية.والأصل أن يبدأ المحكوم عليه باستنفاد طرق الطعن العادية أولاً. فلا يجوز لمن فوت على نفسه طريق الاستئناف أن يطعن بالحكم البدائي مباشرة أمام محكمة النقض لأن طعنه في هذه الحالة يكون واقعاً على حكم صادر بالدرجة الأخيرة.وإذا كان للمحكوم عليه غياباً الخيار في أن يعترض على الحكم البدائي الغيابي أو يسلك طريق الاستئناف مباشرة – متنازلاً بذلك عن حقه بالاعتراض فإن المشرع حظر الطعن بطريق النقض ما دام باب الاعتراض مفتوحاً أمامه (المادة 338 أصول جزائية).وحيث أنه لا مجال بعد هذا النص الصريح للقول بتشميل الطعن بالنقض الواقع على الحكم الاستئنافي القاضي برد الاعتراض للحكم الغيابي الأول قياساً على حالة الاستئناف لاختلاف النصوص والأحكام. ولو أراد المشرع اتباع هذا الاجراء لدى النقض لنص عليه صراحة كما فعل في باب الاستئناف بنص المادتين 257 / 261 أصول جزائية وبمقتضى المادة 338 يتعين على المحكوم عليه غياباً من محكمة الاستئناف اما ولوج باب الاعتراض لدى ذات المحكمة ومتابعة الخصومة أمامها حتى إذا صدر الحكم على صورة لم يرضها طعن بهذا الحكم الصادر بنتيجة اعتراضه واما ولوج باب الطعن بطريق النقض ولكن بعد أن تنقضي مهلة الاعتراض التي تبدأ بنهايتها مهلة الطعن بالنقض وذلك بصراحة المادة 343 أصول جزائية.ومؤدى ذلك أنه في الحالين ينحصر التدقيق في محكمة النقض بالحكم المطعون فيه الصادر بالدرجة الأخيرة وبمدى انطباقه على القانون.لهذا ومع صراحة النص الوارد في المادة 338 أصول جزائية ولكل ما سبق بيانه فإن الهيئة العامة لمحكمة النقض لا ترى العدول عن الاجتهاد المستقر بهذا الشأن والمؤيد بالنصوص القانونية. لهذه الأسباب، تقرر بالأكثرية: عدم العدول.