الخبرة ليست دليلاً ملزماً لقاضي الموضوع، بل هو يملك تقديرها والأخذ بها أو طرحها مع بيان الأسباب، ويجب عليه أن يبحث في النقاط التي عالجها الخبراء وأن يكوّن قناعته من مجموع عناصر الدعوى.
أصول جزائية – المرسوم رقم 112 لعام 1950 /الكتاب الأول: الضابطة العدلية وموظفوها وقضاة الإحالة/الباب الثاني: النيابة العامة/الفصل الرابع: إجراء وظائف النواب العامين/3 – الخبرة والخبراء/مادة 41/ – تقدير قيمة تقرير الخبرة والاقتناع بما ورد فيه يعود إلى قضاة الأساس. – الخبرة لا تقيد قضاة الأساس الذين يملكون الحق في تقدير الوقائع والنتائج الواردة في تقرير الخبرة، وعليهم أن يبحثوا في جميع النقاط التي أكدها الخبراء. – لمحكمة الجنايات التي تتبع النقض دون أن يمس ذلك حقها في تعليل حكمها الجديد تعليلاً آخر ينطبق على أوراق القضية. باسم الشعب السوري لما كان النقض الصادر عن محكمة التمييز بقرارها المؤرخ في 25 نيسان سنة 1949 يتناول النقطتين التاليتين: 1 – مخالفة الحكم المميز للقانون لأنه استند في تجريم المميز محمد. بجناية اختلال أموال الدولة بطريق التزوير إلى اعترافه المدون في الصحيفتين 6 و7 من ضبط التحقيق الاستنطاقي والذي ايده أمام المحكمة ويتلخص في أنه: حينما كان في مؤسسة والده المعدة لعصر الزيت وحلج القطن في قرية الفوعة عمد إلى تحرير واملاء البيانات الثلاثة المذكورة خلافاً للحقيقة وتدوين قيمتها في الأرومة بأقل مما ورد فيها. (انظر الصفحة 15 من ضبط محكمة الجنايات) مع أنه من الرجوع إلى ضبط التحقيق الاستنطاقي لم يعثر في افادة المتهم على أي اعتراف يشعر لاقتطاعه تلك البيانات في المجلد الذي كان يستعمل في مؤسسة والده بل على العكس تبين من الافادة المذكورة أنه نفى الاعتراف المنسوب له اجراؤه أمام المفتش المالي فيما يتعلق بمصدر البيانات. 2 – مخالفة الحكم للقانون لأن ما ورد في تقرير الخبير يتعارض مع الملاحظة التي دونها قاضي التحقيق في الصحيفة الحادية عشرة من الضبط المتضمنة: أن البيانات المحرفة لا تنطبق على مواطن القطع من الأرومة المعينة بتقرير الخبير. ولما كانت محكمة الجنايات قد أصرت على حكمها بعد النقض للأسباب الآتية: 1 – لأن المحكمة استندت في حكمها المنقوض إلى اعترافات واقعية صدرت من المتهم أمام المحقق المالي بأنه أملأ البيانات التي اقتطعها من مجلد الأرومات الموجود في مؤسسة والده والى اعترافه الثاني أمام قاضي التحقيق بأنه أملأ هذه البيانات بخط يده. 2 – لأن قبول قاضي التحقيق في حاشيته المدونة على الصحيفة 11 من ضبط التحقيق من أن البيانات الثلاثة لم تنطبق على مواطن القطع في مجلد الأرومات العائد إلى مؤسسة طاهر والد المتهم لا يدحض تقرير الخبير الفني لأن معرفة هذه الأمور مما يعود إلى أهل الخبرة والفن بموجب المادة 40 من أصول المحاكمات الجزائية ولا يحق للقاضي ابداء الرأي في ذلك حتى ولو كان من أرباب الفن كما اتفق على ذلك علماء القانون. ولما كانت محكمة الجنايات أضافت إلى ما ذكر تعليلاً جديداً وهو أن ما يؤيد صحة ما ذهب اليه الخبير اعتراف المتهم أمام المحكمة بأنه كان يدير شؤون مؤسسة والده وبأن البيانات محررة بخط يده فبديهي إذن أن تكون البيانات المذكورة مقطوعة من المجلد العائد لتلك المؤسسة طالما أنه كان في متناول يده بخلاف المجلدات الأخرى الموجودة في بقية المؤسسات وبأن المتهم سيء الحال وسبق ارتكابه جريمة تزوير واختلاس مماثلة. ولما كانت محكمة الجنايات أضافت أيضاً أنه لا فرق بين أن يقتطع المتهم محمد. من مجلد الأرومات الموجود تحت احتفاظه في مؤسسة والده وبين أن يسرقها من مؤسسة أخرى ويملأها ويبيعها ويستفيد من القيمة المدونة فيها لأن كلا العملين لا يخرجان عن كونهما جريمة اختلاس وقعت بالتزوير واستعمال أوراق رسمية مزورة. – فعن أسباب الأصرار: 1 – اقرار المتهم: لما كان يظهر جلياً من أوراق الدعوى أن المتهم محمد. اعترف لدى المحقق المالي بأنه قطع أحد البيانات المزورة رقم 1 – 150 من دفتر البيانات العائدة لمؤسسة والده وهو يطابق الأرومة المرقمة 1 – 41 كان يظهر جلياً في الأوراق المذكورة أن المتهم محمد. رجع عن افادته هذه أمام قاضي التحقيق وادعى بأن جميع البيانات المزورة إنما أخذها من شخص آخر وملأها بيده. ولما كان يترتب على ما ذكر أن محكمة الجنايات عللت حكمها المنقوض من حيث ثبوت الوقائع المدرجة فيه تعليلاً مخالفاً للواقع الوارد في محضر التحقيق، وأن الغرفة الجزائية في محكمة التمييز كانت على حقها في نقضها الحكم من هذه الناحية فكان من واجب محكمة الجنايات أن تتبع النقض دون أن يمس ذلك حقها في تعليل حكمها الجديد تعليلاً آخر ينطبق على أوراق القضية كما جنحت اليه فعلاً في حكمها الاصراري. ولما كان الحكم الاصراري واجب النقض من هذه الناحية للأسباب المذكورة. 2 – تقرير الخبير: لما كان تبين للهيئة العامة من دراسة الاضبارة أن مشاهدة قاضي التحقيق الحسية للبيانات إنما وقعت قبل تعيين الخبير وتقديمه تقريره المستند اليه في الحكم المنقوض والمتضمن أن البيانات المشار اليها مقتطعة من المجلد العائد لمؤسسة والد المتهم وأنها مطابقة لأرومات عينها في تقريره. ولما كان تقدير قيمة هذا التقرير والاقتناع بما ورد فيه عائداً لقضاة الأساس. وكانت محكمة الجنايات والحالة هذه على حق في اصرارها على حكمها المنقوض من هذه الناحية. ولما كانت محكمة الجنايات قالت في حكمها الاصراري أنه لا يحق للقاضي ابداء الرأي في ما يعود بحثه لأرباب الفن ولو كان منهم استناداً على أقوال علماء القانون. ولما كان لا يمكن لمحكمة التمييز أن تقبل هذا الرأي وذلك لأن الخبرة لا تقيد قضاة الأساس ولأن هؤلاء القضاة يملكون الحق في تقدير الوقائع والنتائج الواردة في تقرير الخبرة ومن واجبهم أن يبحثوا على ضوء قناعتهم الوجدانية في جميع النقاط التي أكدها الخبراء. ولما كان هذا الحق الذي أعلنه القضاء في اجتهاده والعلماء في مؤلفاتهم خلافاً لما ذهبت اليه محكمة الجنايات في قرارها الاصراري وهو نفسه ما أخذ به قانون البينات في المادة 55 منه. ولما كان من الواجب تذكير محكمة الجنايات بهذه القاعدة دون أن يستدعي ذلك نقض حكمها الاصراري من هذه الجهة. 3 – تطبيق القانون: ولما كانت المادة 3 من قانون العقوبات السوري الصادر في 22 حزيران سنة 1949 نصت على أن كل قانون يعدل شروط التجريم تعديلاً ينفع المدعى عليه يطبق على الأفعال المقترفة قبل نفاذه ما لم يكن قد صدر بشأنها حكم مبرم. ولما كانت المادة 8 منه نصت على أن كل قانون جديد يلغي عقوبة أو يقضي بعقوبة أخف يطبق على الجرائم المقترفة قبل نفاذه ما لم يكن قد صدر بشأنها حكم مبرم. ولما كان القانون المذكور لا يتضمن نفعاً معادلاً للمادة 84 من قانون الجزاء العثماني التي طبقتها محكمة الجنايات بحق المتهم. ولما كان الجرم المنسوب إلى المتهم أصبح معاقباً عليه بموجب المادة 450 من قانون العقوبات التي تنص على عقوبة أخف من العقوبة المنصوص عليها في المادة 82 من قانون الجزاء العثماني التي تعطف عليها المادة 84 منه. ولما كان من المقتضى والحالة هذه نقض الحكم المميز ليمكن لمحكمة الجنايات تطبيق النص الجديد عملاً بالمادة 3 و8 من قانون العقوبات. فلهذه الأسباب تقرر بالاتفاق من جهة التعليل وبالأكثرية من جهة التطبيق في 19 ربيع الآخر سنة 1369 و7 شباط 1950 : 1 – قبول استدعاءي التمييز شكلاً. 2 – قبولهما موضوعاً ونقض الحكم المميز للأسباب المبينة أعلاه. 3 – إعادة الأوراق إلى مصدرها لاجراء المقتضى. (هيئة عامة أساس 19 لعام 1950)