السند الموفّى قيمته يبقى في يد الدائن على سبيل الأمانة، ويلزمه رده أو إتلافه أو ما يفيد براءة ذمة المدين؛ فإن احتفظ به ثم استعمله ثانية للحصول على قيمته، تحقق في فعله كلٌّ من إساءة الأمانة والاحتيال، ولو خلا الفعل من وسائل الغش التقليدية.
قبض الدائن قيمة السند من مدينة دون ان يرد له السند ثم قبض قيمة السند نفسه مرة أخرى من المسحوب عليه يشكل في آن واحد جريمة الاحتيال وجريمة إساءة الأمانة المناقشة: لما كانت وقائع هذه الدعوى تشير الى أن المدعي كان مدنيا للمدعى عليه فحرر له سندا مسحوبا على الياس ولكن هذا الاخير رفض أداء القيمة فعاد المدعى عليه بالسند الى المدعي الذي دفع له القيمة وبقي السند مع المدعى عليه الذي استعمله مرة ثانية واستحصل على قيمته من الياس عن طريق دائرة التنفيذ.وانتهت المحكمة الابتدائية الى اعتبار الجريمة من نوع الاحتيال وقضت على المدعى عليه بعقوبتها ولكن محكمة الاستئناف انتهت بقرارها المطعون فيه الى تقرير عدم المسؤولية وطعن المدعي الشخصي وحده في هذا القرار ولم تشترك معه النيابة العامة في ذلك.ولما كان السند يعتبر أداة ائتمان يقدمه المدين الى الدائن ليطمئن به على وفاء الدين ويستعمله كأداة للثبوت في حالة الانكار فهو في الاصل ملك لصاحب التوقيع عليه وانما يضع الدائن يده عليه للاستناد اليه حين الحاجة ويجب عليه أن يعيده الى صاحبة بعد الاداء أو يمزقه أو يقدم له ما يشعر ببراءته منه ولا يحق له أن يستعمله مرة ثانية ويكون السند بهذا المعنى أمانة عند الدائن لاتخاذه وسيلة لأثبات دعواه فاذا انقضى الدين وتم تبق له حاجة به فلا يحق له أن يستفيد منه مرة أخرى فاذا طالب بقيمته فانه يكون قد أساء الامانة وارتكب جريمة الاحتيال في آن واحد وهذا ما اتفق عليه الفقة والاجتهاد فقد ذهبت محكمة النقض المصرية بقرارها المؤرخ 1945/2/19 الى أن (خيانة الامانة تتحقق بكل فعل يدل على أن الامين اعتبر المال الذي ائتمن عليه مملوكا له يتصرف فيه تصرف المالك ).كما وان هذه الفعلة تتوافر فيها أيضا جريمة الاحتيال بتصرف المدعى عليه في مال غير مملوك له وليس له حق التصرف فيه فان التصرف على هذا النحو تتحقق فيه هذه لجريمة وان لم تقترن الحادثة بطرق احتيالية.وذهبت محكمة النقض السورية بقرارها المؤرخ في 1968/10/7 الى آن عناصر الاحتيال بالتصرف بأموال الغير تتم حينما بتصرف الفاعل بهذه الاموال وهو يعلم أنه لا يحق له التصرف بها ولا حاجة في ذلك الى استعمال الدسائس وأنواع الغش والتدليس. وكان على المحكمة أن تناقش الوقائع على ضوء هذه المبادئ القانونية ولكنها لم تفعل فجاء قرارها مشوبا بالغموض وقاصرا في بيانه وأسبابه وجديرا بالنقض.