إذا كان العقد تجارياً جاز إثبات الإعذار المتفرع عنه بوسائل الإثبات المقررة للعقد ذاته، ولا يتقيد بالإنذار الرسمي متى كانت طبيعة المعاملة أو العرف التجاري يجيزان غيره. أما جواز مخالفة الدليل الكتابي في المسائل التجارية فيبقى استثناءً محدوداً لا يتوسع ليشمل كل الادعاءات المتعلقة بالسند.
إذا كان من الجائز إثبات ما يخالف الدليل الكتابي في الأمور التجارية فهذا ينحصر في انقضاء الالتزام أو صوريته وشروط السند ولكنه لا يتناول الزعم بأن التوقيع هو توقيع شاهد لأمر ويبقى إثبات ذلك منوطاً بالقواعد العامة المناقشة: حيث أن دعوى المدعي الطاعن تقوم على طلب إلزام الجهة المطعون ضدها بالتعويض بسبب نكولها عن استلام المبيع واضطرارها لتصريف البضاعة بمبلغ يقل عن ثمن المبيع.وحيث أن الحكم المطعون فيه الذي لم ينف حصول البيع وعدم استلام المطعون ضده للمبيع ذهب مع ذلك لرد الدعوى المقامة بالتعويض تأسيساً على أن التعويض لا يستحق إلا بعد الاعذار المنصوص عنه في القانون المدني والذي يتم عن طريق الكاتب بالعدل وأن الجهة المدعية لم توجه اعذاراً عن طريق الكاتب بالعدل وأن الكتب الموجهة من المصرف إلى المطعون ضده بشأن استلام البضاعة لا تقام مقام الاعذار عن طريق الكاتب بالعدل ولو كان العقد تجارياً، لأن قانون التجارة لم يبحث موضوع الاعذار فيتعين الرجوع بشأنه إلى أحكام القانون المدني، ولأن التعويض عن عدم تنفيذ عقد يعتبر مدنياً ولو كان العقد تجارياً.وحيث أن المعاملات التجارية تتطلب بحسب طبيعتها السرعة والبساطة وتبنى على الثقة المتبادلة وقد جرى التعامل بين التجار منذ القديم على التعاقد فيما بينهم دون الارتباط بدليل كتابي وعلى هذا الأساس فإن المشرع أجاز إثبات الالتزامات التجارية وإثبات ما يخالف أو يجاوز الدليل الكتابي فيها بالشهادة وذلك خلافاً لقواعد الإثبات المطبقة في الالتزامات المدنية.وحيث أن الأخذ بهذا المبدأ يجعل الاعذار الجاري عن طريق الكاتب بالعدل غير منسجم مع المبادئ المختصة بالقانون التجاري نظراً لما يستتبع ذلك من تأخير المعاملات التجارية وتجريدها من طابع البساطة والسرعة الذي يجب أن يبقى ملازماً لها، ولأنه من غير المستساغ أن يكون من حق التاجر أن يثبت أنه أعذر المشرع باستلام البضاعة موضوع العقد إلا بالطريق الرسمي. إذ أن مما يفرضه المنطق السليم في هذا الصدد أن يخضع إثبات الاعذار بتسليم البضاعة وهو أمر متفرع عن العقد لنفس طريقة الإثبات التي يخضع لها العقد الذي هو الأصل.وكان الأخذ بهذا الرأي يسوغ حصول الاعذار بورقة غير رسمية أو بمجرد الاخطار الشفوي إذا كان العرف التجاري يسمع بهذه الطريقة. وحيث أن رفض الحكم لقبول كتب المصرف والبينة الشخصية في إثبات عذر المطعون ضده باستلام البضاعة يبدو غير سديد ولا ينسجم مع قواعد القانون التجاري مما يعرض الحكم للنقض من هذه الناحية.