حق المؤسسة في الرجوع على مسبب إصابة العمل هو حق قانوني مستقل ومحدود بمقدار ما أدّته من تعويض، ولا تنطبق عليه قواعد الحلول المدني لأن الدين الذي أوفته المؤسسة يغاير الدين الثابت بذمة المسؤول من حيث الطبيعة والمقدار.
يوجد فرق بين حق العامل تجاه المسؤول عن أصابته وهو حق يخضع لتقدير القضاء وبين حق العامل تجاه المؤسسة وهو مقرر بالقانون ولا يخضع للتقدير ولذلك لا تطبق قواعد الحلول المدنية في رجوع المؤسسة على المصاب لاختلاف الدينين من حيث الطبيعة والمقدار , وانما تطبق قواعد قانونية من نص يخولها الرجوع بمقدار ماتكلفته فقط , ولذلك فما ترجع به على مسبب الحادث هو حقها فقط دون حق العامل المصاب اذا لا يملك المصالحة بشان هاو التنازل عنه وانما بملك التنازل عما عداه . المناقشة: حيث أن المشرع الذي عني بضمان حقوق العمال حرص في الوقت نفسه على ضمان حقوق المؤسسة وذلك في الحالات المتعلقة باصابات العمل إذا كانت الاصابة تقتضي مسؤولية شخص آخر فخولها بمقتضى حكم المادة 46 من قانون التأمينات الاجتماعية أن تحل قانوناً محل العامل المؤمن عليه قبل الشخص المسؤول بما تكلفته.وحيث أنه يتعين تكييف طبيعة هذا الحق وهل يعتبر بمثابة الحلول المنصوص عنه في القانون المدني والذي ينتقل فيه الحق إلى من حل محل الدائن بما لهذا الحق من خصائص ومايرد عليه من دفوع أم أنه يعتبر حقاً مباشراً مقرراً لمصلحة المؤسسة تستمده من أحكام القانون ولايتأثر بتصرف العامل الذي لايملك التنازل عنه أو المداعاة بشأنه.وحيث أن الحق المقرر للعامل قبل المؤسسة هو حق معلوم المقدار يقدر على أسس نسبية من جسامة الإصابة وأجر العامل وقد راعى المشرع في تقديره تمكين العامل من ضمان مستقبله وتأمين عائلته وهو حق أصلي ومباشر يستحقه العامل لمجرد حصول الإصابة حتى ولو كان المسبب معسراً أو مجهولاً.وحيث أن الحق المقرر للعامل تجاه مسبب الحادث هو التزام بتعويض الضرر الذي سببه الحادث وهو حق مستمد من الأحكام العامة للمسؤولية التقصيرية التي تجعل الشخص مسؤولاً عن خطئه وتلزمه بالتعويض عنه ومسؤوليته تتناول جبر كامل الضرر الذي أحدثه وهو تعويض قد يزيد او ينقص عن التعويض المقرر للعامل بمقتضى أحكام قانون التأمينات الاجتماعية.وحيث أنه ينتج مما تقدم أن حق العامل تجاه المؤسسة هو حق ذو طبيعة خاصة يتساوى فيه أفراد الطبقة العاملة عند تساوي اوضاعهم العمالية ويختلف عن الحق المقرر تجاه مسبب الحادث الذي هو أوسع مدى لأنه يمتد في شموله للتعويض عن الأضرار المعنوية كما أنه يخضع في تقديره لظروف مختلفة مستمدة من وضع المسبب وحالة المصاب وأوضاعه الخاصة وهي أمور يعود تحديدها لسلطات القضاء في حين أن المقرر للعامل تجاه المؤسسة هو حق يحدده القانون ولايخضع لتقدير القضاء.وحيث أن اقرار مبدأ التمايز بين هذين الحقين لايدع مجالاً لتطبيق قواعد الحلول في رجوع المؤسسة على مسبب الحادث فيما إذا ثبتت مسؤوليته عن هذا الحادث لأن القواعد المذكورة تخول الغير الذي قام بالوفاء أن يرجع على المدين بقدر مادفعه ويشترط بالتالي لتطبيق هذا النص أن يكون الدين الذي أوفاه الغير هو نفس الدين الذي يلتزم به المدين حتى يحق له الرجوع عليه بما أوفاه عن ذمته. فإذا اختلف الدينان من حيث الطبيعة او المقدار كما هو الشأن في هذه القضية فلا مجال للقول بأن الموفي قد أوفى بالدين المستحق على المدين فيرجع عليه بمقدار مادفعه عنه.وحيث أنه يتحصل مما تقدم أن المؤسسة في قيامها بالتعويض على العامل لاتفي بالدين المترتب بذمة مسبب الحادث وإنما تفي بالدين المترتب بذمتها وإن رجوعها على المسبب لايستند إلى قواعد الحلول المدني وإنما هو مستمد من النصوص القانونية التي خولتها الرجوع عليه بمقدار ماتكلفته وذلك تمكيناً لها من أداء رسالتها الاجتماعية وتأسيساً على ذلك فإن الحق الذي تعود به على مسبب الحادث هو حقها وحدها دون حق العامل المصاب الذي لايملك المصالحة بشأنه أو التنازل عنه وإنما يملك التنازل عن حقه المستمد من أحكام المسؤولية التقصيرية وفق ماسبق بيانه.وحيث أن سبق صدور الحكم لصالح العامل قبل مسبب الحادث لايحد بالتالي من حق المؤسسة بمقاضاة هذا المسؤول بمقدار ماتكلفته طالما أنها هي وحدها صاحبة الحق بالمداعاة بشأنه دون العامل الذي ليس له أي صفة بالمداعاة بهذا الشأن.لذلك تقرر بالاجماع:أن مؤسسة التأمينات الاجتماعية عندما تقوم بالتعويض على العامل عن الضرر الذي أصابه نتيجة الحادث فإنها تفي بالدين المترتب له بذمتها بحكم القانون وإن رجوعها على المسبب لايستند إلى قواعد الحلول المدني وإنما هو مستمد من نصوص القانون الذي خولها الرجوع عليه بمقدار ماتكلفته وحقها هذا مستقل عن حق العامل تجاه المسبب.