يبقى لرجال الضابطة العدلية صلاحية استقصاء الجرائم وجمع أدلتها والقيام بإجراءات التحقيق الأولية، لكن هذه الصلاحية لا تمتد إلى الاستمرار في حبس شخص أو استبقائه بعد صدور قرار قضائي بإطلاق سراحه؛ فإذا فعلوا ذلك انطبقت المسؤولية الجزائية عن الحبس غير المشروع وفق النص العقابي المختص.
رجال الضابطة مكلفون بالتحقيق في الجرائم وجمع الأدلة مع مراعاة القواعد الخاصة بالإحداث ولكن اذا رفض احدهم اطلاق الموقوف بدون حق فانه يتعرض للعقوبة وفق المادة 358 (حبس شخص بدون مذكرة أو استبقاؤه بعد الاجل المحدد وعقوبتها من سنة الى 3 سنوات) المناقشة: لما كانت وقائع هذه الدعوى تشير الى أنه بتاريخ 1956/12/28 شوهد المراهق الحدث حسين الذي لم يتم الخامسة عشرة من عمره يخرج من منزل جاره حسن فاشتبه بأنه سارق وحضر الطاعن وهو مدير المنطقة في تدمر النقيب في الشرطة وسأل عن القضية وأمر رئيس المخفر بالتحقيق ثم باشره بنفسه وضرب الحدث ليعترف بالجرم وأوقفه وطلب منه رجال القضاء في تاريخ 1965/12/29 اخلاء سبيله فلم يفعل ثم حضر قاضي الصلح في تدمر الى مخفر الشرطة في 1965/12/30 وأشار في ذيل ضبط الشرطة الى اطلاق سراحه وأمر بفحصه من قبل الطبيب الشرعي الذي كان معه وتبين من تقريره المؤرخ 1965/12/30 وجود آثار للضرب وأنه يتعطل يومين ولكن الطاعن لم يطلق سراح الحدث فوضع القاضي يده على الدعوى واستجوب الظنين وأخلي سبيله بتاريخ 30/12/1965ثم أقيمت الدعوى على الطاعن بتحريك من الادعاء الشخصي وانتهى قاضي التحقيق في قراره المؤرخ في 29/6/1967 الى اعتبار القضية من نوع الجنحة وفقا للمادة 359/391 من قانون العقوبات محكمة البداية انتهت بقرارها المؤرخ في 5/5/1969 الى عدم اختصاصها للنظر في هذه الدعوى باعتبارها من نوع الجناية وفقا للمادة 357 من قانون العقوبات وصدقت محكمة الاستئناف هذا القرار بموجب قرارها المطعون فيه.ولما كان رجال الضابطة العدلية مكلفين باستقصاء الجرائم وجمع أدلتها والقبض على فاعليها واحالتهم على المحاكم الموكول اليها أمر معاقبتهم وفقا للمادة السادسة من الاصول الجزائية.وكان مدير المنطقة يعتبر من رجال الضابطة العدلية وفقا للمادة الثامنة من هذا القانون.وكانت المادة 44 من قانون الاحداث الجانحين المؤرخ في 1963/9/17 رقم 58 قد منعت من تطبيق الاصول المتعلقة بالجرم المشهود على الاحداث ومن اقامة الدعوى عليهم مباشرة أمام المحاكم الا بشروط معينة وقد جاء في الاسباب الموجبة لهذا القانون ما يلي :(وبديهي أن القصد من ذلك تجنب اتخاذ التدابير الزجرية على الاحداث بقدر المستطاع وعدم احالتهم على المحاكم مباشرة قبل اجراء تحقيقات أولية فلا يجوز أن يغل هذا النص بالواجبات المفروضة على قضاة النيابة العامة والتحقيق في حالة الجرم المشهود. هذه الواجبات المعينة على التفصيل في الاصول الجزائية ).ومؤدى ذلك أن رجال الضابطة العدلية يمكنهم أن يقوموا بأعمالهم من استقصاء الجرائم وجمع أدلتها سواء أكان الجرم مشهوداأم غبر مشهود أو كان الفاعل حدثا أو بالغا حتى لا تضيع معالم الجريمة ولا تزول آثارها وتكون هذه التحقيقات داخلة ضمن وظائفهم التي يقومون بها وفقا للمادة السادسة من الاصول الجزائية ولكن الجرم المشهود يتطلب تحقيقا قضائيا مستعجلا واجراء أسرع من ذلك فأوجب على قضاة النيابة العامة أن ينتقلوا الى مكان الجريمة وأن ينظموا ضبطا بالحادثة وأن يقبضوا على الفاعل ويفتشوا المنازل ويضبطوا الآلات الجرمية وفقا للمواد 29 وما بعدها من الاصول الجزائية وتكون أعمالهم جزءا من التحقيقات القضائية في الدعوى أما في الحالات الاخرى فان التحقيق الذي يقوم به رجال الضابطة العدلية يجري بصورة عادية ويكون جزءا من جمع المعلومات والادلة واستقصاء الجرائم حتى تفتح التحقيق أمام النيابة العامة للسير في الدعوى ولا يوجب القانون في هذه الحالة على رجال القضاء أن ينتقلوا الى مكان الجريمة ولا يكره المحقق من رجال الضابطة أحدا على الحضور ولا يفتش المنازل الا بقرار قضائي حتى اذا هرب الفاعل لا تسطر مذكرة احضار بحقه الا بعد أن يضع القضاء يده على الدعوى وبموجب قرار قضائي.وكان ظاهرا من ذلك أن مدير المنطقة حينما باشر بالتحقيق لم يكن متجاوزا حدود اختصاصه فيه ولكن الضرب وابقاء الظنين موقوفا بعد ما أمر رجال القضاء بإخلاء سبيله فهي جرائم ذات عقوبة فب القانون ولا يسوغ له ارتكابها والضرب منطبق على أحكام المادة 291 من قانون العقوبات وهو جرم من نوع الجنحة كما وأن المادة 357 من القانون نفسه قد حددت عقاب الموظف الذي يحبس شخصا في غير الحالات التي تنص عليها القانون ولكن الطاعن وهو من رجال الضابطة العدلية وقام بالتحقيق في جرم مشهود واحتفظ بالفاعل حتى يقدمه الى القضاء فيكون عمله في أوله صحيحا وموافقا للقانون ولا يعد حبسا غير مشروع غير أنه استبقى الظنين لديه بعد أمر القضاء بإطلاق سراحه وهذا العمل يشكل الجرم المعاقب عليه بالمادة 358 من قانون العقوبات وهو معتبر من نوع الجنحة.وكان جرم الضرب مشمولا العفو العام المؤرخ 1971/2/4 رقم 12. وكان على محكمة الاستئناف أن تفصل في الدعوى على ضوء المبادئ القانونية المشار إليها ولكنها لم تفعل فجاء قرارها مخالفا للأصول والقانون وجديرا بالنقض.