إذا كان النزاع متعلّقاً بعقد نقل بحري إلى جهة مقصودة خارج القطر، فإن محل تنفيذ العقد يُستفاد من وجهة الوصول، ويكون لاختصاص محاكم تلك الجهة أثرٌ في تقدير الاختصاص، إلا أن أي شرط في وثيقة الشحن يخالف قواعد الاختصاص الآمرة لا يُعتدّ به، ولا سيما إذا كانت الواقعة المنشئة للنزاع قد وقعت في سورية عند التف...
إن عقد النقل البحري هو الذي يتعهد فيه الناقل أن يوصل البضائع إلى مكان معين على أن ينقلها بطريق البحر كل مدة السفر أو في بعضها وإن الاجتهاد والفقه المقارن أخذ من حيث المبدأ بتطبيق الشرط الخاص في وثيقة الشحن بشأن الاختصاص على جميع العمليات المتصلة أو اللاحقة بالشحن إن نقل بضاعة على باخرة إلى عمان عن طريق مرفأ اللاذقية يجعل مدينة عمان محلاً لتنفيذ العقد، وبالتالي فإن محاكمتها تكون مختصة للنظر في النزاع الدائر حول تنفيذ العقد، وأما إذا تبين أن النقض في البضاعة المشحونة قد ظهر حين تفريغها في ميناء اللاذقية فإن محاكم اللاذقية تكون مختصة بنظر النزاع الدائر حول هذا الموضوع على اعتبار أن الواقعة حدثت في سورية المناقشة: تقدمت الجهة المدعية الشركة الوطنية للضمان ش.م ل بتاريخ 23/8/1969 بدعوى إلى محكمة البداية في اللاذقية ضد المدعى عليها شركة نصري اخوان بوصفها وكيلة للباخرة (لوريس ك) جاء فيها أن بتاريخ 4/12/1968 وصلت الباخرة المدعى عليها مرفأ اللاذقية حاملة معها ارسالية مؤلفة من 51394 قطعة خشب شوح ولدى تفريغها تبين أنها ناقصة 1217 قطعة الأمر الذي اضطر الجهة المدعية لدفع قيمة النقص للجهة المستوردة والبالغة 343.7 ديناراً أردنياً المعادلة 3437 ل.س وبما أن الناقل البحري مسؤول عن كل ما يلحق بالبضاعة من نقص وخلافه لذلك فالجهة المدعية تطلب بعد المحاكمة الزام الجهة المدعى عليها بالمبلغ المدعى به مع الفائدة التجارية والرسوم والمصاريف والأتعاب. وقد قضت محكمة البداية المدنية في اللاذقية بتاريخ 11/6/1970 برقم أساس 312 قرار 295 برد دعوى الجهة المدعية التي استأنفت هذا الحكم بتاريخ 28/3/1972 كما استأنفته الجهة المدعى عليها تبعياً بتاريخ 22/8/1972 طالبة الحكم بعدم الاختصاص المكاني.وبنتيجة المحاكمة أصدرت محكمة الاستئناف المدنية الثانية في اللاذقية بتاريخ 28/11/1974 برقم أساس 410 قرار 1065 بقبول الاستئناف التبعي وفسخ القرار المستأنف الحكم بعدم اختصاص محكمة الاستئناف مكانياً للبت بالنزاع موضوع الدعوى ورد الاستئناف الأصلي موضوعاً. فطعنت الشركة المدعية بهذا الحكم بطريق النقض بتاريخ 24/5/1975 .من حيث أن دعوى الجهة الطاعنة تستهدف تعويض قيمة النقض في الأخشاب المشحونة على الباخرة المدعى عليها إلى عمان بطريق مرفأ اللاذقية وذلك بشخص وكيلها فيه وإن محكمة الاستئناف انتهت في حكمها المطعون فيه للأخذ بتقرير عدم اختصاصها برؤية هذا النزاع.وحيث أن مبنى الطعن يقوم على تعارض قواعد الاختصاص الدولي في أصول المحاكمات مع الشرط الثابت في وثيقة الشحن على جعل الاختصاص لمحكمة المركز الرئيسي للناقل في بيروت لبنان ذلك أن الرحلة البحرية تنتهي في مرفأ اللاذقية وتم تنفيذ العقد فيها كما أن الضرر أو واقعة النزاع قد نشأت فيها كل ذلك مما لايترك المجال لتقرير عدم الاختصاص من محكمة المرفأ المذكور.وحيث أنه بمعالجة هذه النواحي يبدو أن المادة 174 بحرية أشارت لوحدة عقد النقل ولو اشتمل على قسم بري إذ قررت أن عقد النقل البحري هو الذي يتعهد فيه الناقل أن يوصل البضائع إلى مكان معين على أن ينقلها بطريق البحر كل مدة السفر أو في بعضها، وأن الاجتهاد والفقه المقارن أخذ من حيث المبدأ بتضييق الشرط الخاص في وثيقة الشحن بشأن الاختصاص على جميع العمليات المتصلة أو اللاحقة بالشحن (ريبيرج 2 الفقرة 1381 – 2).وحيث أن لا جدال بأن التعاقد في الوثيقة المذكورة قائم على ايصال البضاعة إلى بلدة عمان في الأردن.وحيث أن المادة 212 من تشريعنا البحري تقضي ببطلان أي شرط في وثيقة الشحن يخالف قواعد الاختصاص، وكان اجتهاد هذه المحكمة بهيئتها العامة تضمن اعتبار قواعد الاختصاص الدولي مما يتعلق بالنظام العام بحيث لايجوز الاتفاق على ما يخالفها (ه.ع 35/27 تاريخ 19/10/1972 و17/7/لعام 1975 بمعرض البحث في شرط التحكيم والتمييز فيه بين المنازعات البحرية وسواها).وحيث أن بتطبيق هذه الأسس على موضوع النزاع يتضح أن المادة 4/ب من قواعد الاختصاص الدولي في أصول المحاكمات قررت الاختصاص لمحاكم القطر إذا كانت الدعوى ناشئة عن عقد نفذ في سوريا أو عن واقعة حدثت فيها.وحيث أنه يبدو في ضوء ما سلف من واقعات العقد والقانون أنه يتعين النظر إلى مدينة عمان كمكان لتنفيذ العقد بمعرض تطبيق المادة السابقة وذلك وفق ما انتهى إليه الحكم المطعون فيه بحسب النتيجة، الأمر الذي لا يدع المجال لتذرع الطاعن باعتبار مرفأ التفريغ في اللاذقية محلاً للتنفيذ ويتعين رفض الطعن من هذه الناحية. وحيث أن دعوى الطاعن من ناحية ثانية تشير إلى حصول النقض وظهوره حين التفريغ بالمرفأ المذكور، وكان ذلك مما قد يشمله نص المادة السابقة باعتباره واقعة حدثت في سوريا، وأن شرط وثيقة الشحن بإعطاء الاختصاص لغيرها يبقى دون مفعول بتطبيق حكم المادة 212 بحرية حسبما سلف وعلى خلاف ما ذهب إليه الحكم المطعون فيه فيتعين نقض الحكم من هذه الناحية لتعيد المحكمة بحث ومناقشة هذه الناحية في ضوء طلبات ودفوع الطرفين.