إذا كان القضاء السوري مختصاً دولياً بنظر النزاع، امتنع على الخصوم الاتفاق مسبقاً على اختصاص القضاء الأجنبي أو التخلي عن المحكمة السورية المختصة، لأن قواعد الاختصاص الدولي متعلقة بالنظام العام. ويُستثنى من ذلك ما يتصل بالتحكيم، كما أن قبول اختصاص المحكمة السورية عند عدم الاعتراض يرد على مسائل الاختصا...
لا يجوز الاتفاق على مخالفة قواعد الاختصاص الدولي واستبعاد المحاكم السورية المختصة بموجب قواعد القانون السوري واعتبار هذا الاختصاص من متعلقات النظام العام ليس للمواطنين السوريين في مجال ارتباطهم مع الأجانب وعندما يكون القضاء السوري هو المختص دولياً بنظر النزاع أن يختاروا القضاء الأجنبي إن اعتبار المحكمة السورية مختصة إذا لم يعترض المدعى عليه على هذا الاختاص إنما ينحصر شأنه في أحكام الاختصاص الدولي ولا تسري بحق المواطن السوري الاتفاقات التي قبل بموجبها التخلي عن قضائه الوطني لصالح قضاء أجنبي إن عدم جواز الاتفاق على اختصاص القضاء الأجنبي وقواعد الاختصاص الدولي يسري فقط على المنازعات القائمة أمام القضاء العادي ولا يشمل الاتفاقات المتعلقة بالتحكيم المعقود التحكيم فيها لمحكمين أجانب. وخضوع السوري لأحكامها لا يعتبر مساساً بمبدأ سيادة الدولة. المناقشة: حيث أنه يتبين من الملف أن الغرفة الثانية لدى هذه المحكمة طلبت في قراراها الصادر في 26 / 11 / 1970 العدول عن الاجتهاد السابق لهذه المحكمة والقاضي بجواز اتفاق الطرفين على ما يخالف قواعد الاختصاص الدولي وقبول اختصاص القضاء الأجنبي في الأحوال التي ينص فيها التشريع السوري على اختصاص القضاء الوطني وذلك للأسباب التي أوجبها هذا القرار ولأنه سبق لهذه المحكمة أن سارت على اجتهاد يغاير هذا الاجتهاد بحيث لا يجوز لغرف المحكمة العدول عن الاجتهاد الأسبق إلا عن طريق الهيئة العامة. وحيث أنه يتعين للبت في هذا النزاع بحث طبيعة الاختصاص الدولي الذي تعرضت له المواد 6 وما يليها من قانون أصول المحاكمات وهل أن أحكامه موضوعة لمصلحة عامة فتعتبر من متعلقات النظام العام أم أنها موضوعة لحماية مصالح شخصية فيجوز للأفراد الاتفاق على ما يخالفها. وحيث أن توزيع العدالة من الوئائف الرئيسية التي تمارسها الدولة عن طريق المحاكم التي تنصبها وكانت الدولة في معرض ممارستها لهذه السلطة تستهدف تحقيق مصلحة عامة وهي حماية مصالح المواطنين وهي مهمة ذات خطر بالغ إذ يتوقف عليها استتباب الأمن واستقرار النظام وكل ذلك من الأمور التي تمهد لازدهار الدولة وتطورها فإذا رسمت الدولة حدوداً لولاية قضائها فلا يجوز للأفراد أن يتفقوا مسبقاً على اختصار درجات التقاضي أو أن يعطوا صفة الإبرام لحكم لا يعطيه القانون هذه الصفة وبالتالي فليس للمواطنين السوريين في مجال ارتباطهم مع الأجانب وعندما يكون القضاء السوري هو المختص دولياً بنظر النزاع أن يختاروا القضاء الأجنبي لأن الدولة التي اعتبرت المحاكم السورية مختصة لرؤية النزاع قدرت في الوقت نفسه أنه ليست هناك أية سلطة أخرى صالحة لرؤيته. وحيث أن ما نصت عليه المادة الثامنة من إقرار الاختصاص الدولي للمحاكم السورية إذا وافق المدعي عليه صرحة أو ضمناً على اختصاصها لا يتعارض مع هذا المبدأ إذ ليس في مباشرة القضاء السوري لرؤية نزاع لا يختص به دولياً بناء على موافقة الطرفين ما ينطوي على مخالفة قواعد النظام السوري إذ أنه لا ينطوي على سلب اختصاص القضاء الوطني هذا فضلاً عن أن المتسرع الذي أقر مبدأ الاختصاص الدولي للمحاكم السورية في الحالات التي أوردها يحق له أن ينص على استثناءات لا يرى فيها ما يضر بالصالح العام فيجب أن يبقى هذا الاستثناء محصوراً في الحدود التي رسمها ولا يجوز أن يتخذ قياساً لاستبعاد اختصاص المحاكم السورية في الأحوال التي انحصر فيها لاختصاص. وحيث أن ما نصت عليه المادة 145 من قانون أصول المحاكمات من اعتبار المحكمة السورية مختصة إذا لم يعترض المدعى عليه على هذا الاختصاص إنما ينحصر شأنه في أحكام الاختصاص المحلي للمحاكم الوطنية ولا يقاس عليه الاختصاص الدولي لأن استبدال محكمة سورية بمحكمة سورية أخرى تتقيد بنفس القوانين وقواعد الأصول ليس فيه ما يمس بالنظام العام إذ رأى المشرع أن قضايا الاختصاص المحلي من الأمور التي يتغلب فيها الصالح الفردي على الصالح العام ولم ير في ذلك ما يتنافى مع تحقيق رسالة العدالة وهذا من شأن المشرع الذي يستقل بتقدير قيام هذه المصلحة وتحديد مداها. والمشرع الذي أورد هذا النص استثناء من القاعدة العامة التي تجعل لكل محكمة اختصاصاً محلياً معيناً لم يورد نصاً مماثلاً في معرض الاختصاص الدولي يجيز استبدال اختصاص محكمة أجنبية بدلاً من المحكمة السورية المختصة فيكون بذلك قد أفصح عن رغبته باعتبار الاختصاص الدولي من متعلقات النظام العام. وحيث أن هذا الرأي هو ما استقر عليه الفقه والاجتهاد في مصر وإيطاليا وكان قانون الأصول السوري قد استمد أحكامه من قانون المرافعات المصري وكان هذا الرأي منسجماً مع مفهوم سيادة الدولة الذي يتنافى مع قبول تخليها عن سلطتها المتمثلة في قضائها لصالح سيادة دولة أخرى كما أن ذلك من شأنه أن يحمي مصالح المواطنين السوريين فلا تسري بحقهم الاتفاقات التي قبلوا بموجبها التخلي عن قضائهم الوطني لصالح قضاء أجنبي. وحيث أن هذا الرأي ينحصر مدى تطبيقه في المنازعات المثارة أمام القضاء العادي ولا يشمل الاتفاقيات المتعلقة بالتحكيم المعقود لمحكمين أجانب بحيث لا يشكل خضوع السوري لأحكامها مساساً بمبدأ سيادة الدولة تلك السيادة التي تتجلى في خضوع المواطنين لقضائه الوطني. – وحيث أنه سبق لهذه المحكمة في حكمها المؤرخ في 6 / 7 / 1959 أن سارت على هذا النهج واعتبرت أن قضايا الاختصاص الدولي من النظام العام. وحيث أن محكمة النقض عدلت عن هذا الاجتهاد عن طريق الهيئة العامة بحكمها المؤرخ في 1960 رقم 599 . وحيث أن هذه المحكمة بالنظر لما تقدم ترى العدول عن الاجتهاد الآخر وإقرار الاجتهاد السابق القاضي باعتبار الاختصاص الدولي من الأمور المتعلقة بالنظام العام.لذلك حكمت الهيئة العامة بالاجماع ووفاقاً لمطالعة النيابة العامة بما يلي: العدول عن الاجتهاد السابق لهذه المحكمة ذي الرقم 599 لعام 1960 ، القاضي بجواز الاتفاق على مخالفة قواعد الاختصاص الدولي واستبعاد المحاكم السورية المختصة بموجب قواعد القانون السوري. واعتبار هذا الاختصاص من متعلقات النظام العام.تعميم هذا القرار على الهيئات القضائية.