لا تقوم مسؤولية الخطأ المهني الجسيم بحق هيئة النقض متى كان حكمها قد صدر في حدود ولايتها الرقابية، ملتزماً بحجية حكمها الناقض، ومطابقاً للنطاق الذي رسمه القانون لمهمة محكمة النقض بعد النقض.
إن قيام محكمة النقض بمهمتها في ممارسة رقابتها على حسن تطبيق القانون وعلى صحة الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف بعد النقض ومدى التزامها بحكم القانون ومراعاتها لحجية الحكم الناقض إعمالاً للمبادئ القانونية التي أقرتها الهيئة العامة لمحكمة النقض يغدو معه رمي هذه الهيئة بالخطأ المهني الجسيم في غير محله القانوني. المناقشة: القرار موضوع المخاصمة:هو القرار الصادر عن الغرفة المدنية في محكمة النقض رقم 1465/808 تاريخ 27/6/1983.المتضمن رفض الطعن ومصادرة التأمين وإلزام الطاعنة بالرسوم والمصاريف.ولعدم قناعة الجهة المدعية بهذا الحكم فقد تقدمت بدعوى مخاصمة بموجب الاستدعاء المؤرخ في 25/11/1987 تطلب فيه إبطال القرار موضوع المخاصمة.النظر في دعوى المخاصمة:إن الهيئة العامة لدى محكمة النقض بعد إطلاعها على استدعاء المخاصمة وعلى القرار المطلوب إبطاله. وعلى كافة أوراق الدعوى.وعلى مطالبة النيابة العامة رقم 46 تاريخ 7/2/1990 المتضمنة طلب رد الدعوى شكلاً وبعد المداولة أصدرت الحكم الآتي:مآل الدعوى:تتلخص واقعة الدعوى في أن المدعية بالمخاصمة مديحة تنازعت مع المدعي بمواجهة جهته نصر على ملكية شقة سكنية في البناء الذي شيدته الجمعية التعاونية السكنية للعاملين في شركة الطيران العربية السورية على اتوستراد المزة بدمشق.وبنتيجة المحاكمة حكمت محكمة البداية المدنية الرابعة بدمشق بإلزام رئيس مجلس إدارة الجمعية بتسليم الشقة للمدعية مديحة وتسجيلها باسمها في سجلات مؤسسة الإسكان وإبطال العقد الجاري بين نصر والجمعية إلى آخر ما جاء في القرار المذكور وبعد تصديقه استئنافاً والطعن فيه من قبل نصر أعيد منقوضاً، فقررت محكمة الاستئناف بعد النقض تثبيت عقد البيع المبرم بين المستأنف نصر وبين الجمعية وإلزام رئيس مجلس الإدارة بتسليم الشقة له وتسجيلها باسمه في سجلات مؤسسة الإسكان وقد طعنت المدعية مديحة بهذا الحكم فرفض الطعن موضوعاً عند ذلك أقامت دعوى المخاصمة هذه بحق الهيئة التي أصدرت الحكم المذكور.أسباب المخاصمة:1 – ابتدع القرار موضوع المخاصمة مقياساً وحيداً لمعرفة العقد الصحيح هو تاريخ هذا العقد بينما عقود البيع في حقيقتها هي تخاصص بين الأعضاء المالكين، والتملك الأسبق في جدول الأفضليات.2 – فكرة التاريخ الأسبق تكون عند وجود متعاقدين حسني النية.3 – القرار الناقض أكد على لزوم الاهتمام بتاريخ العقدين، ولكنه لم يقل بهدر كل الاعتبارات الأخرى: ولم ينه عن البحث في سوء نية المشتري العالم حكماً بحق العضو في الدور.4 – القرار الناقض معدوم لأنه خالف واقع قانون الجمعية والقوانين التعاونية.5 – القرار المشكو فيه أهمل القوانين الطارئة بعد القرار الناقض.6 – أخطأ القرار الناقض عندما قال بعدم وجود قواعد للأفضليات والتوزيع سوى أفضليات للإقراض وأنه من المقتضى تطبيق قواعد البيع العادية والقرار المشكو منه اعتبر هذا الخطأ مبدأ قانونياً بدلاً من أن يقوم الخطأ ويصححه.النظر في الدعوى:حيث أن النيابة العامة طلبت في مطالبتها المؤرخة في 7/3/1990 رد الدعوى شكلاً لسقوطها بالتقادم الثلاثي بانقضاء ثلاث سنوات على الحكم محل المخاصمة الصادر بتاريخ 27/1/1983.وحيث ان مدة التقادم المذكور تبدأ من اليوم الذي علم فيه المضرور بحدوث الضرر وبالشخص المسؤول عنه (المادة 173 من القانون المدني والقرار الصادر عن الهيئة العامة رقم 52 وتاريخ 20/11/1972).وحيث أنه ليس في ملف الدعوى ما يشير إلى علم المدعية بصدور الحكم على المخاصمة قبل تاريخ إقامة دعوى المخاصمة وقد جاء في استدعاء الدعوى بأن المدعية تقدمت بدعوى المخاصمة فور علمها بصدور الحكم فيغدو ما جاء في مطالبة النيابة العامة في غير محله والدعوى لم تسقط بالتقادم بعد.وحيث أن الحكم الناقض رقم 1708 وتاريخ 5/11/1981 انتهى إلى أن كلاً من عقد بيع المدعية مديحة وعقد بيع الطاعن نصر هو عقد عادي وإن كلاً منهما صادر عمن يمثل الجمعية المدعى عليها وينتج جميع آثار البيع عدا نقل الملكية، وإن العقد الجدر بالتفضيل في نقل ملكية المبيع في سجلات المؤسسة العامة للإسكان هو العقد الأسبق في التاريخ ما دام أي من هذين العقدين لم يسجل في السجل العقاري وأعطى الحق الطاعن نصر بإثارة السببين الخامس والتاسع من أسباب الطعن مجدداً أمام محكمة الموضوع على ضوء الموقف الذي يستقر عليه إتباعاً للنقض.وحيث أن السببين المذكورين يتعلقان بقيام الطاعن نصر باكساء الشقة بناء على إجازة مجلس الإدارة وتوفر حسن النية.وحيث أنه يتضح من ذلك أن الحكم الناقض المنوه عنه حسم جميع نقاط الخلاف، باستثناء نقطة واحدة فقط هي أي من العقدين هو الأسبق في التاريخ، ونقطة أخرى يتوقف البحث فيها على نتيجة النقطة الأولى، بحيث لم يبق على محكمة الاستئناف سوى البحث عن العقد الأسبق في التاريخ.وحيث أن محكمة الاستئناف التي يتحتم عليها أن تتبع حكم محكمة النقض كما توجب المادة 262 من قانون أصول المحاكمات اتبعت الحكم الناقض وعملت بموجبه وانتهت إلى أن عقد الطاعن نصر هو الأسبق في التاريخ، وبالتالي فقد حكمت بتثبيت عقده وإلزام رئيس مجلس إدارة الجمعية بتسليمه الشقة السكنية وتسجيلها على اسمه في سجلات مؤسسة الإسكان وإبطال العقد الجاري بين المستأنفة مديحة والجمعية.وحيث أنه يتحتم على الغرفة التي صدر عنها الحكم الناقض مراعاة حجية الحكم الناقض عندما يطعن في نفس القضية للمرة الثانية متى فصل الحكم الناقض في تطبيق القانون على واقع مطروح على المحكمة ولو كان يتعارض مع اجتهاد أحدث أو اجتهاد قررته الهيئة العامة لمحكمة النقض. (هيئة عامة قرار رقم 25 وتاريخ 10/6/1978).وحيث أن الطعن بالنقض خصومة خاصة حرم القانون فيها على محكمة النقض إعادة نظر الموضوع للفصل فيه من جديد، وقصر مهمتها على القضاء في صحة الأحكام الانتهائية من جهة أخذها أو مخالفتها للقانون فيما يكون قد عرض على محكمة الموضوع من الطلبات أو أوجه الدفاع (هيئة عامة قرار رقم 8 وتاريخ 22/4/1984).وحيث أن الهيئة المخاصمة إذا كانت قد راعت حجية الحكم الناقض عند الطعن في الدعوى للمرة الثانية.وكانت قد قامت بمهمتها في ممارسة رقابتها على حسن تطبيق القانون وعلى صحة الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف بعد النقض، ومدى التزامها بحكم القانون ومراعاتها لحجية الحكم الناقض إعمالاً للمبادئ القانونية التي أقرتها الهيئة العامة لمحكمة النقض، فيغدو رمي الهيئة المذكورة بالخطأ المهني في غير محله ولا يستند إلى أي مؤيد قانوني، والأسباب 1 و2 و4 و5 و6 من أسباب المخاصمة في غير محلها.وحيث أنه إذا كان الحكم الناقض المنوه عنه قد حسم جميع نقاط الخلاف باستثناء نقطة واحدة هي أي من العقدين كان الأسبق في التاريخ، والنقطة الفرعية التي يتوقف البحث فيها على نتيجة النقطة الأولى فيغدو ما جاء في السبب الثالث من أسباب المخاصمة بأن الحكم الناقض لم ينه عن البحث عن سوء نية المشتري ولم يهدر كل الاعتبارات الأخرى، ولا يتفق مع الواقع الثابت في الحكم الناقض المرفق مع استدعاء الدعوى.وحيث أن الأوجه التي بنيت عليها دعوى المخاصمة تخرج عن شمول المادة 486 من قانون أصول المحاكمات، الأمر الذي لا يبرر قبول الدعوى شكلاً.لهذا وعملاً بأحكام المواد 486 و492 و494 من قانون أصول المحاكمات.تقرر بالإجماع:1 – رد الدعوى شكلاً.2 – تضمين المدعية الرسوم والنفقات وتغريمها ألف ليرة سورية يحسم منها مبلغ التأمين.3 – حفظ الأوراق.