لا يجوز تأسيس الإدانة على الاعتراف منفرداً متى لم يسانده دليلٌ آخر يعضده أو يطمئن إلى صحته، لأن الاعتراف بطبيعته قابل للشك ولا ينهض وحده دليلاً قاطعاً.
أن الاعتراف دليل غير محسوس، فلا يقطع بالإدانة وهو يدعو لأول وهلة إلى الشك والريبة في حقيقته، إذ يتطوع به المتهم لتقديم دليل إدانة، فلا بد إذن من أدلة أخرى تسانده وتؤكده المناقشة: في الوقائع:بتاريخ 23/2/1971 ظهراً شاهد رئيس قسم القصاع المتهم مروان. يسير في الشارع العام القريب من القسم، وهو يحاول إخفاء خنجر كان معه، فاشتبه به وأوقفه، وسلمه لرجال القسم، وبالتحقيق معه اعترف لهم بارتكابه السرقات التالية:1 – سرقة محل الشاكي آدم. بتاريخ 25/10/1970 ليلاً بطريقة الخلع وأنه سرق منه مبلغ 65 ل.س وساعة يد رجالية إلى أبي علي بائع توت شامي أمام سينما أمية.2 – سرقة خيوط صوفية من أمام محل بالحريقة باعها لبائع فول نابت كان يقف أمام مدرسة بالحريقة نفسها.3 – سرقة قطعة قماش من محل بالحريقة.4 – سرقة 35 ل.س وميزان إفرنجي من عربة كانت تقف في باب الجابية، وانه باع الميزان بواسطة شخص يدعى (أبو سمير).5 – سرقة دخان ومبلغ 13 ل.س من محل يحيى.6 – سرقة سترتين من محله باب الجابية باعها لشخص يجهله في سوق العتيق.7 – سرقة دراجة عادية من حديقة بحي القصور.8 – سرقة محل في أبي رمانة.كما اعترف لهم بسرقة كنيسة الصليب، وكنيسة أخرى في حي القصاع قريبة منها.وأخذه رجال القسم لتمثيل جريمة كنيسة الصليب، والدلالة على الأمكنة المسروقة الأخرى فحال في الدلالة على المكان الذي دخل منه لكنيسة الصليب، كما تبين عدم وقوع أي سرقة في الكنيسة الأخرى، ولم يعثر رجال القسم على شيء مما اعترف ببيعه من المسروقات. فنظم رجال القسم الضبط المقتضى وأحالوا المتهم للقضاء.وأمام قاضي التحقيق ذكر المتهم أنه كان موقوفاً بجريمة إيذاء اعتباراً من تاريخ 19/11/1970 لتاريخ 28/1/1971 وانه لم يرتكب سرقة الكنيسة الصليب، إلا أنه اعترف لرجال الأمن بسرقتها تحت التعذيب، وبعد أن فهم منهم تاريخ حدوثها، وكان ذلك في الفترة التي كان فيها موقوفاً، أما السرقات الأخرى التي اعترف لهم بها فكلها صحيحة.وقرر قاضي التحقيق بتاريخ 29/9/1971:1 – منع محاكمته من جرم سرقة كنيسة الصليب لثبوت توقيفه بتاريخ وقوعها أي بتاريخ 25/1/1971 وذلك من الإضبارة التحقيقية رقم 59/1971 (تحقيق رابع).2 – إحالته لقاضي الإحالة لاتهامه بسرقة محل الشاكي آدم. بشكل موصوف.3 – الظن عليه بالسرقات الأخرى التي اعترف بها.وأصدر قاضي الإحالة بتاريخ 14/10/1971 قراره المشار إليه في متن هذا القرار.وأمام هذه المحكمة أكد المتهم براءته من جرم سرقة كنيسة الصليب وقال أنه فهم من أحمد. أن الفاعل هو هيثم، كما أكد براءته من السرقات الأخرى وقال أنه بتاريخ حدوث سرقة آدم. كان موقوفاً.وقد ذكر ذلك لقاضي التحقيق فلم يقبل منه ذلك وتهدده بإعادته لرجال الأمن، مما اضطره للاعتراف بالسرقات الخفيفة، والحقيقة أنه لم يرتكب أي جريمة عدا جريمة حمل السلاح الممنوع.في مطالبة النيابة العامة:طلبت النيابة العامة تجريم المتهم بجناية السرقة الموصوفة من محل الشاكي آدم. ومجازاته وفقاً للمادة 634/ق.ع لجهة السرقات الأخرى مع مراعاة المادة 5/ق. أحداث بحقه لأنه فتى ومجازاته بجرم حمل السلاح الممنوع. وفقاً للمادة 314/ق.ع بدلالة المادة 5 أحداث.في الدفاع:طلب الأستاذ رمزي. – وكيل المتهم براءة موكله من جرائم السرقة ومنحه أسباب التخفيف القانونية والتقديرية لجهة حمل السلاح الممنوع.في سرد الأدلة التي سيقت ضد المتهم:ساق قاضي الإحالة ضد المتهم الأدلة التالية:1 – اعترافه أمام رجال الأمن.2 – اعترافه أمام قاضي التحقيق.3 – إلقاء القبض عليه ومعه الخنجر.في مناقشة الأدلة والقضاء:من القواعد المتفق عليها أن الاعتراف وحده لا يكفي في تسبيب الحكم بالإدانة، وهذا ما جرى عليه قضاء النقض الفرنسي منذ أمد بعيد، وقرره المؤتمر الدولي للعلوم الجنائية في سان بتسبرج عام 1902، ولهذا ما يبرره، في أن الاعتراف دليل غير محسوس، فلا يقطع بالإدانة وهو يدعو لأول وهلة إلى الشك والريبة في حقيقته، إذ يتطوع به المتهم لتقديم دليل إدانة، فلا بد إذن من أدلة أخرى تسانده وتؤكده (شرح قانون الإجراءات الجنائية الدكتور محمود محمود مصطفى طبعة خامسة 957).وهذا ما جرى عليه قضاؤنا الجنائي منذ أمد بعيد، إذ قد يعترف المتهم بجريمة لم يقترفها تحت تأثير التهديد أو التعذيب أو تخليصاً لغيره، أو هرباً من جريمة أكبر اقترفها، أو رغبة في الموت بين يدي القضاء، أو زج نفسه في السجن بعد أن عجز عن كسب قوته بالحياة الشريفة، إلى غير ذلك من العوامل المتعددة التي تدفعه إلى الاعتراف، ومهمة القضاء الوقوف على مدى صحة الاعتراف وسلامته، والتحري عن أسبابه ودوافعه وملابساته، من خلال الأدلة الأخرى، وعلى الأخص الأدلة المحسوسة، فإذا اطمأن إلى صحته وسلامته أخذ به، وإلا أهمله.وعلى ضوء ذلك، فإن المتهم الذي اعترف لرجال الأمن بسرقة كنيسة الصليب بتاريخ 25/1/1971 وكنيسة أخرى قريبة منها، وسرقات أخرى عددها لهم، حار في دلالتهم على المكان الذي دخل منه إلى الكنيسة (كنيسة الصليب) وكيف يستطيع أن يدلهم على المكان وهو لم يقترف هذه الجريمة إذا ثبت توقيفه من تاريخ 19/11/1970 لتاريخ 28/1/1971 أي أنه كان يوم وقوع هذه الجريمة موقوفاً.وكيف يستطيع رجال الأمن العثور على شيء من المسروقات التي عددها المتهم لهم، إذا كان اعترافه غير صحيح والأمكنة التي سرقها لم تعرف وهل يمكن أن نصدقه إذا كانت السرقة من الكنيسة الأخرى لم تقترف أصلاً.هذا وقد أكد المتهم لقاضي التحقيق حين مثل أمامه براءته من سرقة كنيسة الصليب وذكر له أنه كان موقوفاً في حينها، وانه اعترف بها تحت التعذيب وصادق على أقواله الأخرى أمام رجال الأمن.واكتفى قاضي التحقيق بمنع محاكمته من سرقة كنيسة الصليب لثبوت توقيفه في حينها، ولم يحقق فيما دفع له المتهم من وقوع التعذيب عليه حتى اعترف وأحاله بالسرقات الأخرى.فهل يمكن أن يعتبر مثل هذا لاعتراف سليماً.ولئن كان المتهم دفع أمام هذه المحكمة أنه تعرض للتهديد من قبل قاضي التحقيق حتى اعترف له بالسرقات الحقيقية، وهو قول غير مستساغ ولا مقبول، إلا أن ظروف اعتراف المتهم أمام رجال الأمن وملابساته، وعدم تحقيق قاضي التحقيق من دفع المتهم بوقوع التعذيب عليه، ما يجعل أكثرية هذه المحكمة لا ترتاح للأخذ باعتراف المتهم أمام قاضي التحقيق، هذا الاعتراف الذي لم يسانده أي دليل.وحيث أن دفع المتهم أمام هذه المحكمة أنه كان موقوفاً بتاريخ سرقة آدم. وظهور عدم صحة هذا الدفع لا يبدل من الأمر شيئاً، طالماً أنه لم يقم أي دليل يقطع بصدق اعترافه أمام قاضي التحقيق ويتعين بهذه الحالة براءته من السرقات المسندة إليه.وحيث أنه من الثابت بإلقاء القبض على المتهم من قبل رئيس مخفر القصاع متلبساً بجريمة حمل الخنجر، وباعتراف المتهم الصريح بهذه الجريمة ارتكابه جريمة حمل السلاح الممنوع خارج منزله دون سبب مشروع.وحيث أن فعله لهذه الجهة تحكمه المادة 314/ق.ع بدلالة المادة 318 منه مع مراعاة المادة 5/ق. أحداث لأنه فتى بتاريخ وقوع الجريمة.لهذه الأسباب وعملاً بالمادة 309 وما بعدها من الأصول الجزائية.حكمت المحكمة بإجماع الآراء، لجهة السلاح الممنوع وبأكثرية الآراء لجهة السرقات ووفقاً للطلب من جهة وخلافاً له من جهة أخرى:1 – براءة المتهم مروان. من جرم السرقة من محل آدم، ومن السرقات الأخرى المسندة إليه، لعدم كفاية الأدلة بحقه.2 – حبسه خمسة عشر يوماً، وتغريمه خمس عشرة ليرة سورية لجهة حمله السلاح الممنوع. وفقاً للمادة 314/ق.ع بدلالة المادة 318 منه ولأنه فتى، تنزيل العقوبة والاكتفاء بحبسه خمسة أيام. وتغريمه خمس ليرات. يحبس عنها يوماً حال عدم الدفع وفقاً للمادة 5 من ق. أحداث جانحين.3 – حساب مدة التوقيف، وحيث أنه قضى مدة محكوميته موقوفاً، فإطلاق سراحه فوراً إن لم يك موقوفاً لسبب آخر. وحساب المدة الزائدة من أصل الرسم ومصادرة الخنجر المقيد بالأمانات برقم 392 سنة 1971 وتضمينه الرسم والنفقات والمجهود الحربي.مخالفة المستشار.:ـ إذا كانت قيمة الضبط الذي ينظمه ضباط الضابطة العدلية في القضايا الجنائية لا تتعدى المعلومات العادية كما نصت على ذلك المادة 180/أصول جزائية إلا أن البينة تقام في القضايا الجنائية بجميع طرق الإثبات ويحكم القاضي حسب قناعته الشخصية (المادة 175 أصول جزائية).وحيث أن الضبط الذي ينظمه ضباط الضابطة العدلية ومساعدو النائب العام في الجنح بعمل به حتى ثبوت ثبوت العكس الذي يشترط لإثباته أن تكون البينة كتابية أو بواسطة شهود (المادة 178 أصول جزائية).وحيث أنه يتبين من إفادة المتهم أمام قاضي التحقيق بتاريخ 28/2/1971 أنه حين استجوابه نفى أن يكون قد سرق الكنيسة، كما أنه نفى أن يكون غياث. قد اشترك معه في السرقات، وذلك خلافاً لما ذكره بإفادته لدى الشرطة بشأن سرقة الكنيسة، واشتراك غياث معه بالسرقات. إلا أنه إقراراً صريحاً بارتكابه السرقات المتعددة التي وردت بإفادته لدى الشرطة.وحيث أنه إذا كان للمحكمة ألا تأخذ بالإقرار القضائي فإنه لابد لهدر هذا الإقرار من أن تكذبه الوقائع الثابتة أو تكون واقعة الإقرار مستحيلة عقلانياً أو واقعياً، إذ أن الإقرار القضائي لا يرد عليه ما يرد على الإقرار لدى رجال الأمن، لأنه من المفترض أنه صدر بكل حرية ومحاطاً بالضمانات القانونية والأخلاقية.وحيث أنه ليس في الإضبارة أي دليل على كذب الإقرار القضائي أو كونه مشوباً بعيب من عيوب الرضا، أو الإكراه فإنه يتوجب الأخذ به.وحيث أن ما ذكره المتهم من أنه تعرض للإكراه من قبل قاضي التحقيق مكذب بأقوال المتهم نفسه إذ أنه يذكر صراحة أمام هذه المحكمة أنه على الرغم من تهديده فإنه لم يعترف للقاضي إلا بالسرقات الخفيفة، مما يدل على أنه قد كان في حالة حرية تامة وتفكير سليم تجعله يميز بين السرقات الخفيفة وغير الخفيفة، كما يدل على أن ما تعرض له لدى قاضي التحقيق – بفرض صحة وقوعه، لم ينل من حريته في القول ولم يكون ذا أثر على المتهم.وحيث أنه لا يشترط للاقتناع بصحة وقوع السرقة أن يعاد المال المسروق أو يدل المتهم عليه أو يعثر عليه، وإنما يكفي أن تكون هناك دلالة على وقوع السرقة ومن قام بارتكابها وهو ما يتوفر في هذه القضية.وحيث أن المتهم الذي ادعى أنه كان موقوفاً بتاريخ وقوع سرقة محل آدم. قد كذب بجواب مدير معهد خالد بن الوليد مما يؤيد صحة الإقرار.وحيث أن بقية ما ورد في الإضبارة من سبق توقيفه أكثر من مرة بجرائم سرقة وقراره من المعهد تعززه القناعة بارتكابه جرائم السرقة المتهم بها.وحيث أن التعليل بكذب إقراره بشأن سرقة الكنيسة لا يبرر عدم الأخذ بإقراره بشأن السرقات الأخرى لأنه ليس متهماً أمام هذه المحكمة بسرقة الكنيسة.حيث أني أرى أن المتهم مدان ويجب تجريمه والحكم عليه بالجنح الأخرى فإني أخالف الأكثرية المحترمة