إذا انطوى الاتفاق على تهريب أو على سبب غير مشروع مخالف للنظام العام بطل العقد، لكن البطلان لا يمنع الحكم بتعويض عادل متى اقتضته إعادة الحال إلى ما كان عليه قبل التعاقد أو ثبت تعهد لاحق بالتعويض بعد زوال حالة عدم المشروعية.
إذا كان التهريب باعتباره عملا غير مشروع لا يتيح لمن تضرر من المشتركين فيه مداعاة زملائه بالنظر لعدم مشروعية السبب , الا ان هذا البطلان يحتم أعادة الطرفين الى الحالة التي كان فيها ويبيح التعويض لهذه الناحية لا على أساس العقد باعتباره باطلاً، ولكن على أساس وجوب إعادة الطرفين إلى الحالة التي كانا عليها قبل العقد. المناقشة: تقوم دعوى الطاعن بالأصل على أن المطعون ضدهم غرروا به وكلفوه قيادة سيارة وايصالها إلى استنبول لتسليمها إلى المطعون ضده محمد رشيد. وعثر بعد ذلك فيها في اليونان على كمية من الساعات المهربة مما أدى إلى تغريم الطاعن مبالغ طائلة والاضرار به من جراء حبسه. وانتهى المدعي إلى طلب القضاء له على المطعون ضدهم بتعويضه عن ضرره بحدود المبلغ المدعى به. وقد قررت محكمة الاستئناف قبل النقض الأول نفي إقدام المطعون ضدهم على التغرير بالطاعن لاقدامه على ما قام به من تهريب وصدقت محكمة النقض هذا الاتجاه.غير أن محكمة النقض في قرارها الأول قررت أن الطاعن يهدف في مطالبه المطالبة بالتعويض عما لحق به من جراء التهريب الذي مرده في دعواه إلى نفي جهل الطاعن بالتهريب باعتباره لم يكن غريباً عن حالة عدم المشروعية وإنما كان طرفاً فيها، وليس من شأنه أن ينفي سبق إتفاق بين الطرفين على التهريب على الوجه الذي جرى فيه وكون المطعون ضدهم طرفاً في عدم المشروعية. وجاء في قرار النقض أن هذا الاتفاق الذي ينطوي على سبب غير مشروع مخالف للنظام العام. وإذا كان يجعل العقد بشأنه باطلاً، عملاً بالمادة 126 مدني، إلا أن المادة 143 مدني أوجبت في حالة البطلان إعادة الطرفين إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد، وإذا كان ذلك مستحيلاً جاز الحكم بتعويض عادل.وحيث أن قرار النقض خلص في هذا الخصوص إلى أن الطاعن الذي يهدف المطالبة بالتعويض وفق ماسلف بيانه فإنه يبقى له مداعاة المطعون ضدهم إذا ما ثبت اتفاقهم، لا على أساس العقد باعتباره باطلاً، ولكن على أساس وجوب إعادة الطرفين إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد، على الوجه الذي قرره المشرع في البطلان عملاً بالمادة 143 مدني. ويتسنى لمحكمة الموضوع حينئذ النظر بتوزيع الاضرار الناجمة عن ذلك بين الطرفين وفق ما تراه عادلاً، على ما سار عليه الفقه العربي والاجنبي المقارن.وحيث أنه يبدو من جهة ثانية أن قرار النقض السابق قد خلص إلى ضرورة البحث في الادلة المعروضة عما إذا كان فيها ما ينطوي على تعهد المطعون ضدهم بتعويض المدعي الطاعن عن ضرره، وما إذا كان هذا التعهد ان وجد لم يكن بهدف عدم المشروعية أو حمايتها والاستفادة منها، وإنما ينطوي على اعتراف بإلزام طبيعي على ضوء المادة 203 مدني.وحيث أن النقض للمرة الثانية فإن هذه المحكمة تستبقي الدعوى للفصل فيها موضوعاً، عملاً بالمادة 460 أصول محاكمات.وحيث أنه من استطراد الادلة التي ساقها الحكم الإبتدائي وتجد أصلها في الأوراق، ترى المحكمة أن ما استخلصته المحكمة البدائية من اشتراك محمد. وولده محمد وكمال في التهريب وصدور تعهد منهم بعد زوال حالة عدم المشروعية بتعويض الطاعن إنما كان استدلالاً سليماً غير مشوب بفساد الاستخلاص، سيما وأن محكمة الاستئناف قبل النظر الأول في معرض مناقشتها للأدلة لم تنف هذا الاشتراك، وإنما خلصت إلى رفض مزاعم الطاعن في عدم اشتراكه في العمل غير المشروع.وحيث أن إلزام المطعون ضدهم بالتعويض على الطاعن يغدو واجباً، سواء بحكم المادة 143 مدني أو المادة 203 مدني، لثبوت اشتراك الاطراف في العمل غير المشروع وتعهد المطعون ضدهم بالتعويض عنه بعد أن زالت حالة عدم المشروعية.وحيث أن هذه المحكمة وإن تكن تتبنى التعويض الذي قرره الحكم الإبتدائي مقابل ضرر الطاعن بالنظر لمدة سجنه خارج البلاد وأضراره المادية والمعنوية، إلا أنها لا تجد فيها اعترافاً صريحاً بمقدار التعويض الذي تعهدت الجهة المطعون ضدها بأدائه، وان هذا التعهد كان مقصوراً على مقدار التعويض الذي يصيبهم.وحيث أن المحكمة تقدر ما تلتزم به الجهة المطعون ضدها من هذا التعويض بمبلغ عشرة الاف ليرة سورية.لذلك تقرر بالاتفاق نقض الحكم المطعون فيه وفسخ الحكم الإبتدائي وجعل التعويض عشرة الاف ليرة سورية بدلاً من ثلاثين ألف، ورد دعوى الطاعن قِبَل المذكورين بما يجاوز ذلك.