العبرة في التمييز بين التصرف المنجز والوصية المبطنة هي بحقيقة العقد ومضمونه ووجود احتفاظ المورث بحق قانوني ثابت في الانتفاع من عدمه؛ فالتصرف المنجز الصادر حال الحياة يبقى صحيحاً وملزماً للورثة ما لم يثبت أنه مخالف لقواعد الإرث أو أنه في حقيقته تصرف مضاف إلى ما بعد الموت.
ما يمنعه القانون لأنه مخالف للنظام العام، هو مخالفة قواعد الإرث، كتغيير حصص الورث أو ادخال وارث جديد دون وجه شرعي, أما التصرفات المنجزة التي يجريها الإنسان في حياته، فلا تعتبر من هذا القبيل والانتفاع الذي يحتفظ به الإنسان ويعتبر مطبقاً للمادة 878 مدني هو المستند إلى حق ثابت لا يستيطع المتصرف إليه تجريده منه دون الانتفاع الفعلي المناقشة: حيث أن تمسك المدعيتين السيدتين أنيسة وجهيدة بأن تصرف مورثهما باطل بمقتضى أحكام المادة 137 من القانون المدني لفقدان السبب في هذا التصرف، ولعدم ثبوت دفع الثمن من قبل الجهة الطاعنة بشكل يتعارض مع قواعد الارث التي تعتبر من النظام. فإن هذا القول إنما يتعارض مع صحيح القانون، ذلك لأن التحايل الممنوع على أحكام الإرث لتعلق الإرث بالنظام العام هو ما كان متصلاً بقواعد التوريث وأحكامه المعتبرة شرعاً كاعتبار شخص وارثاً وهو في الحقيقة غير وارث وما يتفرع عن هذا الأصل من التعامل في التركات المستقبلة كإيجاد ورثة قبل وفاة المورث غير من لهم حق الميراث شرعاً أو الزيادة أو النقص في حصصهم الشرعية. ويترتب على هذا أن التصرفات المنجزة الصادرة من المورث في حال صحته لأحد ورثته تكون صحيحة ولو كان المؤرث قد قصد بها حرمان بعض ورثته. لأن التوريث لا يقوم إلا على ما يخلفه المورث وقت وفاته. أما ما يكون قد خرج من ملكه حال حياته فلا حق للورثة فيه. وحيث أن اجتهاد هذه المحكمة قد استقر على هذا الرأي في قرارها رقم 110/131 تاريخ 28/3/1963 والمتضمن أن وقوع التصرف من المورث منجزاً وانتفاء احتفاظ المورث بحق الانتفاع من المال المتصرف فيه ينفي عن العقد صفة الايصاء ويجعله سارياً على الورثة، سواء أكان هذا التصرف ببدل أو بدون بدل، على اعتبار أن التشريع المعمول به لا يحد من حق الإنسان في التصرف بأمواله كلها أو بعضها لمن شاء من ورثته أو من الغير حال حياته، ولو أدى ذلك إلى حرمان الورثة. مما يجعل أقوال شهود الجهة المدعية غير منتجة من هاتين الناحيتين. عن النقطة الثالثة من أقوال شهود الجهة المدعية: ومن حيث أنه لجهة استلام المورث مصطفى قيمة حاصلات العقارات المباعة. فإن الاجتهاد مستقر على أن المقصود بالاحتفاظ بالحق في الانتفاع وفقاً لأحكام المادة 878 مدني المقابل للمادة 917 مدني مصري أن يكون انتفاع المتصرف بالعين مدى حياته مستنداً إلى حق ثابت لا يستطيع المتصرف إليه تجريده منه. ويكون ذلك إما عن طريق اشتراط حق المنفعة وعدم جواز التصرف في العين، وإما عن طريق الإيجار مدى الحياة، أو عن طريق آخر مماثل. ومن ثم لا يكفي لقيام القرينة القانونية أن ينتفع المتصرف بالعين انتفاعاً فعلياً حتى وفاته دون أن يكون مستنداً في هذا الانتفاع إلى مركز قانوني يخوله حقاً في الانتفاع. «قرارات متعددة لمحكمة النقض المصرية» ( القانونية لمحكمة النقض المصرية للاستاذ احمد سمير ابو شادي بند 1597). وحيث أن مقطع النزاع في هذه القضية معرفة ما إذا كان العقد الذي تصرف به المورث كان منجزاً أم غير منجز. وحيث أنه يبين من العقد موضوع هذه الدعوى أنه تضمن تسليط المورث يد الجهة الطاعنة منذ تاريخ العقد على الأراضي موضوع النزاع للانتفاع والاستغلال. وحيث أن شاهدي العقد لم يدليا بأية أقوال حول صفة العقد، هل هو بيع منجز أم بيع مضاف إلى ما بعد الموت. فالشاهد ابراهيم سليم. ذكر بأنه يؤيد مضمون السند ولم يسمع من البائع مصطفى ومن المشترين فطوم وولدها علي ما يخالف مضمونه. والشاهد شفيق. سئل بأنه إذا أراد الطاعن علي أن يبيع شيئاً من الاراضي التي باعه إياها والده فهل يستطيع ذلك بدون موافقة والده فأجاب لا أعرف. وحيث أن شهود الجهة المدعية عندما سئلوا عما إذا كان البيع منجزاً أم غير منجز، أجاب البعض بأنهم لا يعرفون فيما إذا كان البيع منجزاً أم مضافاً إلى ما بعد الموت، وأجاب آخرون بأنهم لا يعلمون شيئاً عن هذا البيع. وحيث أنه فضلاً عن عدم قيام أدلة تثبت أن التصرف لم يكن منجزاً، فقد توفرت في الدعوى عدة أدلة وقرائن تثبت أنه كان نهائياً ومنجزاً. وحيث أن المحكمة تستخلص من هذه الادلة والقرائن أن التصرف موضوع هذه الدعوى كان باتاً ونهائياً ولم يكن مضافاً إلى ما بعد الموت. وحيث أن الأصل في اقرارات المورث أنها تعتبر صحيحة وملزمة لورثته حتى يقيموا الدليل على عدم صحتها فإن عجزوا بقيت لهذه الاقرارات حجيتها عليهم. وحيث أن النقض في هذه القضية قد وقع للمرة الثانية مما يوجب على هذه المحكمة الفصل في موضوع هذه القضية. فإن الحكم البدائي الذي انتهى إلى رد الدعوى إنما يتفق من حيث النتيجة مع صحيح القانون وهو جدير بالتصديق.