إذا صدر تشريع ذو أثر رجعي، فلا يمتد أثره إلى قوة القضية المقضية للأحكام القضائية القطعية السابقة عليه التي استقرت بها حقوق مكتسبة؛ كما يملك القاضي أن يستبعد تطبيق النص المخالف للدستور في النزاع المعروض عليه بطريق الامتناع عن التنفيذ لا بطريق الإلغاء.
لئن أجاز الدستور اصدار تشريعات بمفعول رجعي الا انه لم يجز ان تمتد هذه الرجعية الى قوة القضية المقضية التي تثبت للاحكام الصادرة قبل صدور التشريع ذي المفعول الرجعي والتي قررت حقوق لاصحابها تنفيذا للقوانين المرعية واذا كان يمتنع على القضاء التصدي لدستورية القوانين الا انه ليس ما يمنعه من التصدي لذلك عن طريق الدفع بالامتناع عن تنفيذ القانون المخالف للدستور في الدعوى المماثلة امامه المناقشة: من حيث أن دعوى المدعي الطاعن تقوم على المطالبة ببدل ثمن المساحة من عقاره مثار النزاع وببدل أجر مثلها. تأسيسا على أن المدعى عليها المطعون ضدها بلدية اقتطعت من عقاره المذكور مساحة تزيد عن الثلث المسموح لها باقتطاعه مجانا عملا بالقانون رقم ١٧ لعام ١٩٥٩ فقاضاها لدى مجلس الدولة الذي حكم بأحقيته في استيفاء قيمة هذه المساحة الزائدة على أن تحدد هذه القيمة من قبل اللجنة المختصة وفق قانون الاستملاك لكن الجهة المدعى عليها المطعون ضدها امتنعت عن تنفيذ هذا الحكم رغم طرحه لدى دائرة التنفيذ أصولا الى أن صدر المرسوم التشريعي رقم ١٦٩ تاريخ ۱۹۷۰/۷/۲۷ الذي خول اقتطاع نصف مساحة العقارات محانا أثناء تقسيمها للمنفعة العامة مع اعطائه مفعولا رجعيا ينسحب الى تاريخ نفاذ القانون ۱۷/ ۱۹۵۹ المشار اليه والى الأحكام القضائية القطعية الصادرة خلافا له الا في حدود ما نفذ فعلا لغاية ١٩٦٩/١٢/١ ومن حيث أن الحكم المطعون فيه الذي انتهي الى رد دعوى المدعي الطاعن أقام قضاءه على أن للقضاء الحق في مراقبة دستورية القوانين عن طريق الدفع بتجاهل ما ورد فيها مخالفا للدستور وعلى أن الدستور أجاز اصدار تشريعات بمفعول رجعي عند الاقتضاء في غير الأمور الجزائية. وعلى أن حكم مجلس الدولة الذي يتذرع به الطاعن ليس حكما قطعيا لاقتصاره على اعطاء المدعي أحقية في اقتضاء الثمن مما لا وجه للقول بعدم شمول التشريع المذكور للواقعة موضوع هذا الحكم ومن حيث أن ما أقيم عليه الحكم المذكور منطو على تأويل خاطئ لنصوص القانون ذلك أنه يبين من حكم محكمة القضاء الاداري المكتسب الدرجة القطعية الصادر في ظل القانون رقم ١٧ لعام ۱۹٥٩ أن الطاعن طالب في الدعوى الادارية بالتعويض عن بدل ثمن المساحة المقتطعة زيادة عن الحد المجاني المسموح به وان المحكمة المذكورة اعتبرت تلك الدعوى من القضاء الكامل وقضت بأحقيته في اقتضاء ثمن هذه المساحة على أن يقدر من قبل لجنة تقدير قيمة العقارات المستملكة وفق قانون الاستملاك لعدم اختصاص تلك المحكمة في هذا التقدير. ومؤدى ذلك أن الحكم المذكور فصل في النزاع الماثل بين الطرفين وحكم للطاعن ببدل ثمن المساحة المتنازع عليها واذا كانت المحكمة المشار اليها لم تحدد هذا البدل لعدم اختصاصها في ذلك وناطت هذا الامر باللجنة المنوه بها صاحبة الاختصاص فان هذا التحديد هو في الواقع عملية مادية اجرائية بحتة رسم القانون أصول تنفيذها دون أن يكون لهذه الاصول ولنتيجة تحديد القيمة أي مساس بأصل الحق الذي كرسه الحكم الاداري للطاعن بقضاء قطعي حاسم فيما فصل فيه. ومن حيث أنه ما دامت المحكمة الملمح اليها قد انتهت الى أن التشريع الصادر يمفعول رجعى الذي يتناول الأحكام القضائية القطعية انما خالف القواعد الدستورية فانه كان ينبغى اعمال هذا القول بالنسبة للحكم الاداري المذكور ذلك أن الدستور لئن أجاز اصدار تشريعات بمفعول رجعي عند الاقتضاء الا أنه لم يجز أن تمتد هذه الرجعية الى قوة القضية المقضية التي تثبت للأحكام الصادرة قبل صدور التشريع ذي المفعول الرجعي والتي قررت حقوقا لأصحابها تنفيذا للقوانين المرعية. بحسبان أن قيام السلطة التي تملك حق التشريع بإصدار تشريع ذي مفعول رجعي ينسحب أثره الى الأحكام القضائية المكتسبة الدرجة القطعية الصادرة قبله انما يعتبر نيلا من القوانين اياها وانتقاصا من حقوق السلطة القضائية ومن مبدأ فصل السلطات الذي كفله الدستور وصانه ومن حيث أنه اذا كان يمتنع على القضاء التصدي لدستورية القوانين عن طريق الدعوى لانتفاء النص الذي يخوله هذا الحق الا أنه ليس ما يمنعه من التصدي لذلك عن طريق الدفع بالامتناع عن تنفيذ القانون المخالف للدستور في الدعوى الماثلة أمامه ولا يعتبر ذلك تعديا القضاء سلطة الن على التشريع ما دامت المحكمة لا تضع بنفسها قانونا ولا تقضي بإلغاء قانون ولا تأمر بوقف تنفيذه وغاية الامر أنها تفاضل بين قانونين قد تعارضا فتفصل في هذه الصعوبة بحكم وظيفتها القضائية وتقرر أيهما الأولى بالتطبيق واذا كان القانون العادي قد أهمل فمرد ذلك في الحقيقة الى سيادة الدستور العليا على سائر القوانين تلك السيادة التي يجب أن يلتزمها كل من القاضي والشارع على حد سواء بحسبان أن الدستور يتميز عن سائر القوانين بما له من طبيعة خاصة تضفي عليه صفة العلو وتسمه بالسيادة لأنه كفيل الحريات وموئلها ومناط الحياة الدستورية ونظام عقدها ومن حيث أن تشكيل المحكمة الدستورية مؤخرا اعمالا لنصوص الدستور لا يحد من سلطة القضاء في مراقبة دستورية القوانين عن طريق الدفع بالامتناع عن تنفيذ المخالف للدستور في الدعاوى الماثلة أمامه ذلك لان قانون المحكمة الدستورية المذكورة رقم ١٩ تاريخ ۱۹۷۳/۷/۲۰ قصر اختصاصها في النظر بدستورية القوانين على حالة ما اذا طلب ذلك رئيس الجمهورية أو ربع أعضاء مجلس الشعب وفق الوجه المقرر في المواد ١٥ و ٢٦ وما يليها من القانون المذكور بمعنى أنه محجوب عن المواطنين وعن غير الجهات المشار اليها حق الاعتراض أمام المحكمة الدستورية على دستورية القوانين والمراسيم التشريعية. ومن حيث أن الحكم المطعون فيه الذي انتهج في مساره دربا يغاير الاساس المحكي عنه فيما تقدم يجعل نائلا منه ما أدلى به الطاعن عن ابتغاء النقض على نحو يملي نقضه. كما أن هذا النقض يتيح للطاعن اثارة ما أورد في مذكرته المتعلقة بالقانون الجديد رقم 9 لعام ١٩٧٤ الذي قضى بإلغاء قانون التقسيم السابق.