إذا انصبّ التعاقد على أداء أعمال مادية مستقلة لقاء أجر محدد أو نسبة، ولم يكن محلّه تصرفاً قانونياً بالنيابة عن الغير، عُدّ مقاولة لا وكالة. وإذا تأخر المقاول بحيث يغدو إتمام العمل ضمن المدة المتبقية متعذراً، جاز لرب العمل فسخ العقد قبل الأجل، ويكون التعويض عندئذٍ وفق الإثراء بلا سبب بعد انتهاء العقد...
العقد الذي تفوض الاوقاف بموجبه شخصاً بإحصاء عقاراتها وجباية حقوقها من أجور وبدلات استبدال لقاء حصة مئوية هو عقد مقاولة وليس وكالة ويجوز لرب العمل طلب فسخ هذا العقد دون انتظار حلول أجله إذا كان من غير الممكن انجاز الأعمال المطلوبة خلال المدة الباقية والتعويض الذي يستحقه المقاول في هذه الحالة يستند إلى مبدأ الاثراء بلا سبب لا بموجب المقاولة المناقشة: من حيث أن دعوى المدعي تهدف إلى المطالبة بإلزام المدعى عليها بالتعويض عليه من أجور وبدلات استبدال لقاء حصة قدرها عشرة بالمئة من غلة الوقف، قام بها على الوجه الاكمل. ومن حيث أنه باستقرار اختصاص محكمة التصفية التي أحدثها المشترع بالمرسوم التشريعي رقم 76 تاريخ 16 أيار 1949 يتبين أن موضوع هذه الدعوى لا يدخل في اختصاص محكمة التصفية. ومن حيث أن العقد موضوع الدعوى الذي كان قد حكم بفسخه بناء على الدعوى التي رفعتها الاوقاف على الطاعن، واكتسب الحكم فيها الأمر المقضي به، تضمن اعتماد مدير الاوقاف بدمشق المدعي لتحصيل حقوق ومرتبات وقف مصطفى لالا باشا ومتابعة استبداله وتحصيل أبداله لقاء أجر محدد. ومن حيث أن المشترع عرف المقاولة بأنها عقد يتعهد بمقتضاه أحد المتعاقدين أن يصنع شيئاً، أو أن يؤدي عملاً، لقاء أجر يتعهد به المتعاقد الآخر (المادة 612 من القانون المدني). ومن حيث أنه إذا كان كلاً من عقد المقاولة وعقد العمل وعقد الوكالة يرد على العمل، وهذا العمل يؤديه المقاول أو العامل أو الوكيل لمصلحة الغير، الا أن كلاً منها يختلف عن الآخر. فتتميز المقاولة عن عقد العمل في تحمل التبعة، حيث يتحملها المقاول ولا يتحملها العامل، باعتبار أن المقاول لا يخضع لإدارة رب العمل وإشرافه بل يعمل مستقلاً طبقاً لشروط العقد المبرم بينهما. ومن ثم لا يعتبر المقاول تابعاً لرب العمل، ولا يكون هذا الأخير مسؤولاً عن المقاول مسؤولية المتبوع عن التابع. أما في عقد العمل فالعامل يخضع لإدارة رب العمل واشرافه ولا يعمل مستقلاً عن رب العمل، بل يتلقى تعليماته وتوجيهاته وعليه أن ينفذها في حدود العقد المبرم بينهما. ومن ثم يعتبر العامل تابعاً لرب العمل ويكون هذا الأخير مسؤولاً عنه مسؤولية المتبوع عن التابع. هذا وتتميز المقاولة عن الوكالة في أن العمل في عقد المقاولة هو عمل مادي، أما العمل في عقد الوكالة فهو تصرف قانوني. ويستتبع ذلك أن المقاول، وهو يؤدي العمل لمصلحة رب العمل، لا ينوب عنه وانما يعمل استقلالاً. أما الوكيل، وهو يقوم بالتصرف القانوني لمصلحة موكله، يكون نائباً عنه ويمثله في التصرف الذي يقوم به فينصرف أثر هذا التصرف إلى الموكل. وأن من خصائص المقاول تعرضه للمكسب والخسارة، فإذا أصيب بضرر بسبب تنفيذ العمل فلا شأن لرب العمل بذلك ويتحمل المقاول وحده هذا الضرر، بمعنى أن المقاول مضارب. أما الوكيل فإنه لا يضارب ولا يعرض نفسه لمكسب أو خسارة. فهو إما أن يقوم بعمله متبرعاً، وإما أن يأخذ أجراً مناسباً للعمل. وإذا أصيب بضرر بسبب تنفيذ الوكالة، فإن الموكل يكون مسؤولاً عن الضرر. ومن حيث أنه بمقتضى هذه المبادئ المميزة لكل من عقد المقاولة وعقد العمل وعقد الوكالة، تغدو خصائص عقد المقاولة منطبقة على العقد موضوع الدعوى، بخلاف ما ذهب إليه الحكم المطعون فيه الذي أسبغ عليه عقد الوكالة. زمن حيث أن التعويض المدعى به غير ناشئ عن مسائل عمل، مما يجعل الاختصاص بنظره خارجاً عن اختصاص قضاء العمل. ومن حيث أن عقد المقاولة حدد مدة ثلاث سنوات للطاعن لإنهاء الأعمال المحددة في العقد. وكانت مديرية الاوقاف التي أنذرت الطاعن بإنهاء عمله قبل نهاية مدة العقد بستة أشهر، حصلت على حكم بفسخ العقد أقيم على انتهاء مدته حين قضى بالفسخ ولم يأخذ الأسباب التي اعتمدتها مديرية الاوقاف في طلب الفسخ. ومن حيث أنه يتبين من الجداول والاوراق التي أبرزها الطاعن في الدعوى، أنه خلال المدة المنقضية من تاريخ العهدة إليه بالأعمال التي حددها العقد حتى تاريخ انذاره، قام بمجموعة من الأعمال التمهيدية والتحضيرية من أجل التهيئة لاستيفاء الحقوق العائدة للوقف، وإن كان لم يحصل من هذه الحقوق سوى مبلغ 84 ليرة سورية، وكان ظاهر المدة المتبقية من الاجل المحدد بالعقد لا يكفي لتدارك الوقت الذي فوته الطاعن على نفسه في تحصيل حقوق الوقف. الأمر الذي يجيز لرب العمل إدارة الاوقاف أن تطلب فسخ العقد دون انتظار لحلول أجله، باعتبار أن الطاعن تأخر في انجاز العمل بحيث لم يعد من الممكن انجازه في الميعاد (الفقرة الثانية من المادة 616 من القانون المدني). ومن حيث أنه بانتهاء عقد المقاولة على الوجه المحكي عنه، يستحق الطاعن تعويضاً، لا بموجب المقاولة، فقد انتهت، ولكن بموجب مبدأ الاثراء بلا سبب. وللمحكمة أن تعطي تعويضاً للطرف الذي طلب الفسخ وتعويضه عنها تعويضاً عادلاً.