القوة الثبوتية المقررة لمحاضر الضبط الجمركي ليست مطلقة في جميع الأحوال، وإنما تقتصر على المحاضر التي استوفت صفات وقيد الحجز المنصوص عليهما قانوناً؛ أما ما عداها فيخضع للقواعد العامة في الإثبات ويجوز دحضه بوسائل الإثبات المقبولة دون التمسك بإجراءات التزوير الخاصة.
ان المحاضر الجمركية التي يعمل بها حتى ثبوت تزويرها هي تلك المحاضر التي تتحلى بالصفات والقيود المقررة في المادة 310 جمارك ومنها ان تكون مقترنة بالحجز للبضائع المهربة . المناقشة: في مناقشة الطعن : حيث ان المخالفة المسندة إلى المطعون ضدهم تتعلق باستيراد كمية من البن تهريبا . وحيث ان قرار اللجنة الجمركية قضى بمساءلة كل من محمد نذير ومحمود وشهاب وفق احكام الفقرة الاولى من المادة ٣٥٢ من قانون الجمارك وبمساءلة المطعون ضده عمر بمقتضى النص المذكور بدلالة المادة ٣٣٩ من ذات القانون على اعتبار انه اودع في بيته قسما من الكمية المستوردة تهريبا وقد انتهى حكم اللجنة الى الزام المذكورين بقيمة البضاعة الناجية من الحجز وبضعف القيمة غرامة وحيث ان الحكم الاستئنافي المطعون فيه قد انتهى الى ما يلي : 1 – عدم مساءلة المطعون ضدهم محمد ومحمود وشهاب لعدم توفر الادلة بحقهم وذلك بعد ان هدرت المحكمة اقرار احدهم محمد لعلة ثبوت ان الاقرار انتزع منه اكراها استنادا الى البينة التي استمعت بهذا الشأن والى عدم القناعة بشهادة السائق لإدلائه بشهادته في التحقيق الاولى في جو من الارهاب بالإضافة ان البضاعة المدعى استيرادها تهريبا لم يضبط منها شيء . 2 – عدم مساءلة المطعون ضده عمر لأنه لم يقم أي دليل على أنه قام بفعل مادي يتعلق بعدد الاكياس التي اعترف بانها وضعت بيته بغيابه بضع ساعات ثم نقلت منه وهو لا يعلم بمحتوياتها ولم يثبت موافقته على إيداعها. وحيث ان مبنى الطعن من ادارة الجمارك مؤسس وينصب بالنعي على هدر قوة الاعتراف الصادر عن المطعون ضده محمد في ضبط المخالفة دونما ادعاء بالتزوير خلافا للحكم الواجب في المادتين ٣١١و٣١٢ من قانون الجمارك ولما هو مقرر باجتهاد محكمة النقض وحيث انه من المتفق عليه ان المخالفة الجمركية تعتبر قضية ذات طابع مزدوج او مختلط فهي جزائية في نطاق التحقيق والاثبات وممارسة التدابير الاكراهية من توقيف واحتجاز ومصادرة على اساس انها تقوم على اقتراف عمل غير مشروع له اثره العميق على خزينة الدولة وهي مدنية في نطاق أصولية المراجعة القضائية نظرا لما تسبغ عليه الرسوم والغرامات المتعلقة بها من صفة التعويض المدني للإدارة ولما قد يربط هذه الالتزامات بعقود للتسوية والمصالحة وحيث انه في معرض استثبات الاعمال المنافية للقانون وبما يستمد اصوله من التشريعات الجزائية ومن قواعد الفقه والاجتهاد القضائي فمن المتفق عليه ان محاضر ضبط التحقيق وبصدد قوتها الثبوتية تقسم الى فئات ثلاثة : الاولى : محاضر تعبر عن الحقيقة وما تضمنته يعتبر ثابتا ما لم يدحض بادعاء بالتزوير . وهذه الفئة من المحاضر معدة لبعض المخالفات تسهيلا للحصول على الادلة وعدم ضياع آثارها وهي مخالفات بوجـــه عام لا تجرح الشعور العام وتنصرف الى امور مالية . الثانية : محاضر يعتبر مضمونها صادقا حتى يقوم الدليل على عكسه كما هو الحال فيما تعلق بغالبية الجرائم الجنحية الثالثة : محاضر لا قوة الزامية لها أمام القضاء وهي ليست اكثر من تقارير ومعلومات كما هو الحال في محاضر الضابطة العدلية في الجرائم الجنائية . وحيث انه بصدد المخالفات الجمركية فقد عمد المشرع الى تخطي نسبي للقواعد العامة الملمع اليها : على ما يلي فقد نصت المادة ۳۱۰ من قانون الجمارك : « يذكر في محاضر الضبط تاريخ الحجز ( العام والشهر واليوم والساعة ) ومكانها وظروفها واسماء الحاجزين وصفتهم والمكتب او المركز التابعين له ونوع الاشياء المحجوزة ووزنها وعددها او كميتها وحضور الفريق الثاني عند وصف الاشياء المحجوزة (.) مع ان هذا لم يكن يهدف اليه النص ولا غرض المشرع ومن ثم فقد نصت المادة ۳۱۱ من القانون المذكور تعقبا على تقييم القوة الثبوتية لمثل ذلك المحضر على ما يلي تعتبر محاضر الضبط المحررة على هذا الشكل صادقة الى ان يدعى تزويرها . » كما نصت بعد هذا المادة / ٣١٥ من ذات القانون على ما يلي يمكن ملاحقة واثبات المخالفات المنصوص عليها في القرارات والنصوص المتعلقة بالجمارك بمختلف الطرق القانونية حتى ولو لم تجر اية مصادرة داخل نطاق الجمارك او خارجه » . وحيث انه يستفاد النصوص المشار اليها اعلاه والنصوص الاخرى التي ترتبط بها واحتواها القانوني ان التحقيق في المخالفات الجمركية وفي ماله صلة بالموضوع المختلف عليه انما يتم على صورتين الاولى : بصورة تنظيم محضر ضبط بحجز البضاعة وهي الحالة الخاصة التي تتناول عادة المخالفات الجمركية المشهودة وما يدخل في حكمها وتلك التي تقترن بحجز البضاعة وهي حالة احاطها المشرع بقواعد خاصة تشز عن القواعد العامة المقررة في التحقيق والاثبات وذلك رغبة منه في تسهيل مهمة ادارة الجمارك في قمع اعمال التهريب والغش نظرا لما لهذه المخالفات من اثر على الاقتصاد القومي ولهذا اعطى لها قوة ثبوتية كاملة وحصانة تامة قابلها بفرض اتباع اجراءات دقيقة عند تنظيم تلك المحاضر هدف منها صون حرية الافراد وعدم العبث بحقوقهم. الثانية : بصورة تنظيم محضر ضبط تحقيق بالطرق العادية وذلك عندما لا يكون هنالك حجز للبضاعة وحيث ان الصورة الأولى السالف بيانها هي التي تحكمها المواد ۳۱۰ و٣١٤ من قانون الجمارك وابرز خاصة فيها الاخذ بقوتها الثبوتية مطلقة في نطاق الوقائع المادية فيما عاينه ضابطو المخالفة بأنفسهم وبحواسهم الذاتية الى ان يدعى بتزويرها اصولا وامام المرجع الجزائي المختص على النحو التي تنص عليه المواد الانفة الذكر اما الصورة الثانية فهي تراعى بشأنها القواعد العامة في الاثبات في القضايا الجزائية وبمعنى أدق فلا حاجة للادعاء بالتزوير لدحض ما ورد فيها وحيث ان وجهة النظر في قصر وجيبة الادعاء بالتزوير على محاضر الضبوط التي تدخل في الصورة الاولى اي تلك التي اقترنت بالحجز انما مستمدة من حقيقة النص في المادة / ٢١١ / الانفة الذكر ومن عبارة تعتبر محاضر الضبط المحررة على هذا الشكل » على اساس انها معطوفة على نص المادة / ٢١٠ / السابقة لها والتي تتعلق بمحاضر مقترنة بالحجز . وقد سبق تفصيل هذا اعلاه وحيث انه لئن كان الاجتهاد القضائي مستقر على ان الادعاء بوقوع الاكراه بما ادى لانتزاع الاقرار من المخالف شأنه ان يزلزل الثقة التي أولاها القانون لموظفي الجمارك وهو في حقيقته يعني وقوع تحريف في وقائع محضر ضبط المخالفة ولا بد اذا من ادعاء بالتزوير لهدر القوة الثبوتية التي يتحلى بها المحضر بصدد الواقعة المذكورة الا ان هذا واعتمادا على وجهات النظر المسوقة أعلاه أضحى تطبيق ما ذكر مقصورا على المحاضر التي تتحلى بالصفات والقيود المقررة في المادة ۳۱۰ من قانون الجمارك ومنها ان تكون مقترنة بالحجز وحيث انه من مراجعة محضر ضبط المخالفة محل هذه الدعوى يتبين انه لم يقترن بالحجز للبضاعة المهربة وهذا يعني ان ما ورد فيه مما يصح دحضه بمختلف طرق الاثبات المقبولة قانونا ولا حاجة للادعاء بالتزوير بالصورة المقررة في قانون الجمارك خلافا لما تسعى الادارة في الاعتماد عليه وحيث انه يعود والحالة هذه لمحكمة الموضوع سلطة التقدير في البينة التي اعتمدت عليها في توفر حالة الاكراه في التحقيق وفي انتزاع الاقرار ومن ثم في عدم القناعة بشهادة السائق الفورية . وكان لما ذهب اليه بهذا الشأن له مستنده في البينات التي وردت في ملف القضية وشهادات الشهود المستمع اليهم امام اللجنة الجمركية وامام المحكمة . وحيث ان الاخذ بما ذكر يرتب اقرار عدم توفر الادلة للمسالة تجاه المطعون ضده محمد ومحمود وشهاب . وحيث انه بالنسبة للمطعون ضده عمر فان الدليل الوحيد القائم ضده مستمد من اقرار في محضر ضبط المخالفة وقد جاء فيه : « وضع في داري كمية من القهوة منذ ثلاثة اشهر تقريبا ولكن اقسم بانني لا اعلم كم كانت عدد الاكياس او هذه الكمية ولم يتجاوز بقاءها في داري انه خمس ساعات حيث حملت ثانية ( ومن ثم ما تلا هذا الاقرار من ايضاح من حين وضعت البضاعة لم يكن موجودا ولا يعرف من وضعها وحيث ان وضع البضاعة في الدار على النحو المشار اليه في غياب المخالف و لبضع ساعات دون موافقته ولا علم منه ومن ثم نقلها مما لا يؤلف الايداع المقصود والذي يعبر عن مساهمته بالمخالفة والاشتراك فيها على النحو المقرر في المادة ۳۳۹ من قانون الجمارك نظرا لان الايداع عقد لا بد فيه من تلاقي ارادة الطرفين صراحة ام ضمنا وهذا مما الم تتوفر حاله بالنسبة للمطعون ضده المذكور وحيث ان هذا ما استقر عليه اجتهاد هذه المحكمة بهذا الخصوص : تراجع القرارات : رقم ١٩٧١/٣/١/٢٠٩/٢٤٥ ورقم ١٩٧٣/٥/٩/٤٢١/١١ ٠ ورقم ١٩٤ / ٢١/١١٢٧ / ١٢ / ١٩٧٤ والاخذ بما ذكر يجعل استبعاد المطعون ضده عمر من المسؤولية المخالفة يلاقي محله القانونيوبالتالي يكون الحكم المطعون فيه قد انتهى الى نتيجة صحيحة يترتب عليها رفض الطعن المثار من قبل ادارة الجمارك لذلك فقد تقرر بالاتفاق : رفض الطعن موضوعا