إذا كان الضرر ناشئاً عن تسرب مياه من أرضية الطابق الأعلى عبر أنابيب أو مجاري مدفونة لا عن تهدمٍ فعلي ظاهر للبناء، انتفت أحكام مسؤولية حارس البناء، ووجبت مساءلة صاحب العلو وفق قواعد ملكية الطبقات متى ثبت إخلاله بواجب الصيانة. ولا تقوم في هذه الحالة قرينة خطأ مفترض، بل يلزم الدليل على الإهمال.
إن تسرب المياه إلى الطابق الأسفل من المجاري المدفونة في أرضية الطابق الأعلى لا يعتبر من قبيل التهدم وبالتالي لا تحكمه المادة 178 مدني المتعلقة بحراسة البناء وإنما تحكمه المادة 816 مدني المتعلقة بملكية الطبقات على اعتبار أن مسؤولية صاحب العلو لا تقتصر على زيادة الارتفاع وإنما يتوجب عليه صيانة أرضية علوه حتى لا يتأثر سقف السفل من الأهمال وإن إخلال صاحب العلو بالتزامه المذكور ليس خطأ مفترضاً وإنما يجب إقامة الدليل عليه المناقشة: من حيث أن دعوى الطاعن تستهدف المطالبة بالتعويض عن الضرر الذي لحق بموجودات خزانته نتيجة تسرب المياه المالحة من مطبخ المدعى عليها. ومن حيث أن مسؤولية حارس البناء، وفق أحكام المادة 178 من القانون المدني، وإن كانت تتوفر في حال حصول ضرر نتيجة لانهدام البناء ولو كان جزئياً، إلا أن الانهدام المقصود بهذه المادة هو التهدم الفعلي الذي يمكن ملاحظته بالعين المجردة من أجل حارس البناء. ومن حيث أن تسرب المياه إلى عقار المدعى عليه كان من الأنابيب المدفونة تحت البلاط، مما لا يجوز اعتباره من قبيل التهدم. ومن حيث أن المشرع أورد نصوصاً خاصة تنطبق على وقائع النزاع إذا كان الحكم المطعون فيه لم يعتمدها في معالجته إلا أنه انتهى من حيث نتيجته إلى ما هو متلائم مع أحكامها. فالقانون المدني أفرد في بحث الملكية الشائعة باباً خاصاً لتنظيم ملكية الطبقات وحدد فيه التزامات وحقوق أصحاب الطبقات السفلى والعلوية، وانتهى في المادة 816 إلى حكم عام يلزم صاحب العلو ألا يزيد في ارتفاع بنائه بحيث يضر بالسفل. وقد ورد في مجموعة الأعمال التحضيرية للقانون المدني المصري عند بحث هذه المادة: أما صاحب العلو فلا يجوز له أن يزيد في ارتفاع بنائه بحيث يضر بالسفل، ولا أن يأتي بأي عمل من شأنه أن يزيد في عبء السفل. وقد توسع الفقه في تفسير مؤولية صاحب العلو فلم يقصرها على زيادة الارتفاع، وإنما أوجب عليه صيانة أرضية علوه من بلاط وألواح حتى لا يتأثر سقف السفل من الإهمال في هذه الصيانة (الوسيط ). وإن نص المادة 1192 من مجلة الأحكام العدلية صريح في توسيع هذه المسؤولية حيث ورد فيه «الكل يتصرف في ملكه كيف شاء، لكن إذا تعلق حق الغير به يمنع المالك من تصرفاته على وجه الاستقلال، مثلاً سفل ملك لواحد وفوق فيه لآخر، فلصاحب الفوقاني حق القرار في التحتاني ولصاحب التحتاني حق السقف في الفوقاني يعني بتستره من الشمس وبتحفظه من المطر، فليس لأحدهما أن يفعل شيئاً مضراً إلا بإذن الآخر». وحيث يتضح من هذه الأحكام أن هناك إلتزاماً مقرراً على صاحب العلو ألا يهمل صيانة أرضية طبقته من بلاط وما تحته حتى لا تتكشف فيترتب على ذلك إضراراً بسقف السفل. وحيث أن الإخلال بهذا الإلتزام ليس خطأ مفترضاً وإنما عيب يجب إقامة الدليل عليه. وحيث أن إبعاد النزاع عن نظرية الخطأ المفترض يؤدي إلى ترك الحق للطرفين، وللمحكمة تقديره وتقدير ظروفه ومدى مساهمة كل من الطرفين فيه. وحيث أن الحكم المطعون فيه عمد إلى بحث توزيع المسؤولية عن الأضرار اللاحقة بأشياء المدعي وعقاره، بمعنى أنه استثبت مقدار مسؤولية كل من صاحب العلو والسفل عن ذلك الأضرار، فإنه جدير من حيث النتيجة بالتصديق لأن تقدير المسؤوليات من سلطات محكمة الموضوع.