الأصل في المسؤولية المدنية أن الضرر يُجبر مرة واحدة جبرًا كاملًا غير زائد على مقداره؛ فإذا تعددت الأسس القانونية للتعويض واتحدت غايتها، وجب منع الازدواج في الجبر وخصم ما استحق للمضرور بموجب نظام خاص من التعويض المدني المستحق له.
ان اقدام احد افراد الجيش على قتل زميل له اثناء الخدمة يلزم وزارة الدفاع بتخصيص تعويض لورثة المغدور وفق المرسوم التشريعي 54 لعام 962 بسبب كون الوفاة حدثت اثناء الخدمة كما ان الوفاة تؤلف في الوقت نفسه سببا في ترتب حق آخر لورثته عملا بقواعد المسؤولية التقصيرية تسأل عنه وزارة الدفاع بصفتها متبوعا لمسبب الحادث , وان هذين الالتزامين وان كانا مختلفين في الاساس القانوني الا انهما متحدان في الغاية وهي جبر الضرر الواقع للمغرور وهذا الجبر وان وجب ان يكون كاملا ومكافئا لمقدار الضرر فلا يجوز ان يكون زائدا عليه وعليه فلا يصح للمضرور ان يجمع بين التعويضين باعتبار ان الاصل في المسؤولية المدنية ان الفعل الضار يجبر مرة واحدة . المناقشة: الوقائع : تقدم المدعي محمد اضافة لتركة ولده حسين بتاريخ ١٩٧٥/٦/١٧ بدعوى الى محكمة البداية المدنية بدمشق ضد المدعى عليها وزارة الدفاع جاء فيها ان المجند حسن اقدم على قتل ولد المدعي عندما كان يقوم بواجبه الوظيفي في الجيش عن عمد وتصميم وقد حكم على القاتل المذكور بالإعدام من قبل القضاء العسكري . وبما ان وزارة الدفاع مسؤولة عن اعمال تابعها لذلك فالمدعي يطلب بعد المحاكمة الزامها بمبلغ اربعين الف ليرة سورية مع الرسوم والمصاريف والاتعاب وقد قضت المحكمة المذكورة بتاريخ ١٩٧٦/٦/٢٣ ورقم ١٢١٣/٦١٢ برد الدعوى نظرا لان الجهة المدعى عليها قد منحت ورثة المغدور راتبا تقاعديا يزيد عن الراتب الذي يستحقونه فيما لو مات المؤرث ميتة طبيعية فاستأنفت الجهة المدعية هذا الحكم بتاريخ ١٩٧٦/٨/٧ وبنتيجة المحاكمة أصدرت محكمة الاستئناف حكمها المطعون فيه بفسخ القرار المستأنف والزام وزارة الدفاع بدفع مبلغ ۳۰۰۰ لس للجهة المدعية يوزع بين أفرادها حسب الفريضة الشرعية وتضمينها المصاريف والاتعاب . فطعنت الوزارة المذكورة بهذا الحكم بطريق النقض كما طعنت فيه الجهة المدعية بتاريخ ١٩٧٧/١/١٩ النظر في الطعنين : ان الهيئة بعد اطلاعها على استدعاءي الطعنين وعلى الحكم المطعون فيه وكافة الاوراق وعلى مطالبة النيابة العامة المؤرخة في ١٩٧٧/٤/٢٧ رقم ٤٣ وبعد المداولة اتخذت الحكم الاتي . في أسباب الطعن : حيث ان الجهة الطاعنة وزارة الدفاع تطلب نقض الحكم لما يلي: ۱ – ان الفرق بين ما خصص للورثة بسبب اعتبار وفاة مورثهم ناجمة عن الخدمة وبين ما يستحقونه لو كانت الوفاة طبيعية هو أكثر بكثير من التعويض المحتمل الحكم به استنادا لأحكام المسؤولية التقصيرية وان المحكمة لم تستند الى مرتكز سليم عندما قدرت التعويض وحيث ان الجهة الطاعنة تطلب نقض الحكم لما يلي 1. ان وزارة الدفاع ليست مسؤولة مع تابعها القاتل بل هي ضامنة له وباستطاعتها الرجوع عليه بما تلزم به من تعويض وهذا فعل تابعها وهو غير الالزام المرتبط بوظيفة المورث الزام ناتج عن بالاستناد الى نص القانون وبذلك لا تكون وزارة الدفاع قد عوضت الضرر مرتين ذلك لان الزيادة بالمعاش والتأمين هما وليدا عقد الوظيفة. 2. اذا فرضنا ان الزيادة بالمعاش وبالتعويض يشكل جبرا للضرر المادي فأين هو التعويض عن الضرر المعنوي . 3. لولا قتل المورث لكان بالإمكان ان يستمر بالخدمة حتى يبلغ ٣٢ عاما تعود عليه بمعاش يزيد على ضعفي المعاش المخصص لورثته بالإضافة الى التعويض العائلي والعبء العسكري وغيرها من منافع. 4. بفرض اعتبار زيادة المعاش والتأمين داخلة في حساب جبر الضرر فكان على المحكمة ان تقدر الضرر أولا ثم تعمد الى طرح زيادة التأمين والمعاش منه ثم تقضي بما زاد واننا نقدر بأن التعويض يجب ان لا يقل عن ٢٥ الف ليرة سورية وان تلحظ التعويض 5. لا يجوز قياس حالة على اخرى دون ان تمارس المحكمة حقها حر في ضوء الظروف والملابسات التي رافقت واحاطت بكل هذه الحالات وان الفقه والاجتهاد مستقران على جواز الجمع والمكافأة وبين تعويض الضرر اذا كان مسبب الضرر هو اجنبي6. ان مجرد قول الجهة المدعى عليها ان وفاة المورث قد زادت في التأمين دون اثبات لهذا القول واخذ المحكمة بهذا القول يشوب الحكم بالقصور ذلك : ان دعوى الجهة المدعية تهدف الى الزام الجهة المدعى عليها دفاع بمبلغ ٤٠ الف ليرة تعويضا لها عن قتل مورثها من قبل ة المدعى عليها وقد ردت محكمة البداية الدعوى وتبين لاستئناف ان مبلغ ۳۰۰۰ ليرة سورية زيادة عما خصصته وزارة ورثة المغدور من معاش وتعويض اضافيين كاف لجبر الضرر جهة المدعية بهذا المبلغ وقد طعن الطرفان بالحكم طالبين نقضه. وحيث انه عندما ابرزت ادارة القضايا مذكرتها تاريخ ١٩٧٦/٥/١١ ۱٦/٥/٢ امام محكمة البداية التي حددت فيها ما يقبضه معاش وتعويض قيمة وفاة مورثهم بسبب الخدمة وما هو لتعويض الذي تستحقونه فيما لو كانت الوفاة طبيعية افادت المدعية ان ما خصص للورثة كان نتيجة خدمات المورث وما اقتطع مما تستطيع معه محكمة الموضوع اعتبار هذا القول اقرار بصحة ما جاء في المذكرة المذكورة . وحيث تبين من المذكرة المشار اليها ان وزارة الدفاع قد خصصت معاشا تقاعديا شهريا لكل من الورثة كما منحته تعويضا اضافيا تبعا لاعتبار وفاة مورثهم حاصلة مورثهم بسبب الخدمة وحيث ان تخصيص المعاش ومنح التعويض المذكور انما تقررا مبدئيا بسبب وفاة مورث المدعين اثناء الخدمة وبسببها وذلك عملا بالمرسوم التشريعي رقم ٥٤ لعام ١٩٦٢ ولولا حصول الوفاة بسبب الخدمة لما خصص المعاش ومنح التعويض بالقدر المحدد في المذكرة . وحيث ان هذه الوفاة تؤلف في الوقت نفسه سببا في ترتب حق آخر لهم عملا بقواعد المسؤولية التقصيرية تسأل عنه وزارة الدفاع بصفتها متبوعا لمسبب الحادث وحيث ان هذين الالتزامين وان كانا مختلفين في الاساس القانوني الا انهما متحدان في الغاية وهي جبر الضرر الواقع للمضرور وهذا الجبر وان وجب أن يكون كاملا ومكافئا لمقدار الضرر فانه لا يجوز ان يكون زائدا عليه اذ ان كل زيادة تكون اثراء بلا سبب ومن ثم لا يصح للمضرور ان يجمع بين التعويضين باعتبار ان الاصل في المسؤولية المدنية ان الفعل الضار يجبر مرة واحدة لان هذا الجبر هو من قبيل وفاء الالتزام وانقضائه وحيث انه يتفرع عن ذلك انه لا تسوغ مساءلة وزارة الدفاع عن ذات الحادث مرتين والجمع بين التعويض الملتزمة به على اساس قواعد القانون المدني والتعويض المترتب عليها بموجب الانظمة الأخرى وبما انها مسؤولة عن التعويضين فيتعين خصم ما خصص ومنح لكل من الورثة بسبب وفاة مورثهم بما يخرج عن حدود التقاعد والتعويض العاديين من التعويض المدني المستحق اذا كان يفوقهما وهذا ما استقر عليه اجتهاد محكمة النقض في عديد من قراراتها وحيث انه لا يغير من هذا المبدأ حق رجوع وزارة الدفاع على تابعها المكرس بالمادة ١٧٦ ق ۲ طالما ان الاصل هو تحقيق تعويض عادل كاف لجبر الضرر أما حق الرجوع فهو حق قاصر في علاقته بين التابع والمتبوع . وحيث ان تقدير التعويض المادي والمعنوي انما لمحكمة وكانت المحكمة الموضوع وبعد ان اطلعت على ما خصص للورثة رأت ان مبلغ ٣ آلاف ليرة كاف لجبر الضرر المادي والمعنوي فلا معقب عليها فيما قررته وحيث ان الاخذ بما تقدم يستتبع رفض الطعنين لذلك وعملا بالمادة ٢٥٨ اصول محاكمات تقرر بالإجماع : رفض الطعنين موضوعا