في دعوى استرداد ما دُفع بغير حق، يكون بدء التقادم من تاريخ علم صاحب الحق فعلاً بوجود حقه في الاسترداد، ولا يكفي لافتراض هذا العلم مجرد صدور نص تشريعي بالمصادرة أو المنع من التصرف، لأن قرينة عدم جواز الاعتذار بجهل القانون لا تُحمَل على المنازعات المدنية غير المتصلة بالنظام العام.
إن ورود نص قانوني بمصادرة أي عقار يحتفظ به أو يتنازل عنه من قبل المالك الذي لم يعترف بكامل ملكيته بموجب بيان يقدمه إلى وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي، لا يسوغ اعتباره دليلاً عن علم المالك بهذا النص، وبالتالي على علمه بأن ضريبة ريع العقارات التي دفعها عن العقار المصادر كانت غير متوجبة عليه، وبحقه في استردادها مما يؤدي إلى اعتبار هذا العلم مبدأ لسريان التقادم المنصوص عنه في المادة 188 مدني. ذلك أن نطاق تطبيق القاعدة المتعلقة بعدم جهل أحد بالقانون وافتراض علمه به لا يتناول إلا القواعد الجزائية التي تتصل بالنظام العام، وعلى وجه الخصوص ما يتعلق منها بالمسائل الجزائية، ولا شأن في نزاع يقوم على طلب استرداد ما دفع دون حق لعدم اتصاله بالنظام العام المناقشة: من حيث أن دعوى المطعون ضده تقوم على طلب استرداد ضريبة ريع العقارات التي كانت استوفتها منه الجهة الطاعنة عن عقاراته في بلدة طرطوس لعلة أنه كان ممنوعاً من التصرف فيها ولا تخضع للضريبة المذكورة. وأن النزاع بعد حكم النقض السابق قد أضحى محصوراً بناحية التقادم، إذ أن محكمة النقض قد نقضت في حكمها السابق حكم محكمة الموضوع السابق لعلة أنها لم تبحث الدفع بتقادم المادة 188 مدني الذي أثارته المالية ولم ترد عليه خلافاً لما توجبه المادة 204 أصول محاكمات. وحيث أن المحكمة مصدرة الحكم المطعون فيه التي عادت وقضت للمدعي المطعون ضده من جديد بضريبة ريع العقارات المستوفاة منها حتى منتصف عام 1971 ورد دعواه بالزيادة قد بحثت ناحية التقادم وبينت الأسباب التي جعلتها تنتهي إلى عدم وجود تقادم وعللت ذلك. وحيث أن الجهة الطاعنة تعيب على الحكم المطعون فيه انتهاؤه إلى هذه النتيجة وعدم أخذه بأدلتها ودفوعها القائلة بعلم الجهة المطعون ضدها بعدم ترتب الضريبة عليها بتاريخ دفعها لها. وحيث أن مبدأ سريان التقادم المنصوص عنه في المادة 188 مدني هو التاريخ الذي يعلم فيه طالب الاسترداد بحقه في استرداد ما دفع. وحيث أن أدلة الجهة الطاعنة على العلم بذلك هو الطلب الذي تقدم به المطعون ضده إلى وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي المؤرخ في 21/6/1967 والذي طلب فيه السماح له بالتصرف ببعض عقاراته والمرسوم التشريعي رقم 145 لعام 1966 بداعي أن وزارة الزراعة لم تجب المطعون ضده على طلب المذكور وأنه عندما لم تجبه على طلبه يعتبر عالماً بمنعه من التصرف. وأن المادة 15 من المرسوم التشريعي الآنف الذكر قد قضت بمصادرة أي عقار يحتفظ أو يتنازل عنه لأحد من قبل المالك الذي لم يعترف بكامل ملكيته ويقدم بياناً إلى وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي يصرح فيه عن كامل ملكيته العقارية. وحيث أن عدم الإجابة على الطلب الذي تقدم به المدعي إلى مديرية الإصلاح الزراعية في اللاذقية بتاريخ 25/6/1967 والمتضمن إعطائه شهادة تصرف بعقاراته لا يسوغ اعتباره دليلاً على علم المذكور بأن الضريبة التي يطالب باستردادها كانت غير متوجبة عليه. هذا فضلاً عن أن مضمون الطلب المذكور لا يفيد علمه بعدم ترتب الضريبة عليه. وإن ورود نص قانوني بمصادرة أي عقار يحتفظ به صاحبه ولا يصرح عنه، لا يعني أنه على علم بهذا النص لأن نطاق تطبيق القاعدة المتعلقة بعدم جهل أحد للقانون وافتراضه علمه به لا يتناول إلا القواعد القانونية الجزائية التي تتصل بالنظام العام وعلى وجه الخصوص ما يتعلق منها بالمسائل الجزائية. ولا شأن له بالنزاع القائم حول طلب استرداد ما دفع دون حق لعدم اتصاله بالنظام العام الذي لا يتسامح بالجهل به. وذلك جرياً على ما سار عليه اجتهاد هذه المحكمة في حكمها رقم 277/1969 المنشور في العدد التاسع من لعام 1969 اجتهاد. وحيث أن الجهة الطاعنة التي تتذرع بأن المطعون ضده كان يعلم وقت الدفع بأنه لم يكن ملزماً بما دفع ولم تقدم دليلاً آخر يؤيد ذلك. لذلك يكون ذهاب المحكمة مصدرة الحكم إلى اعتبار تاريخ علم المدعي بالسماح له بالتصرف بعقاراته وهو التاريخ الذي حدده له مدير الزراعة هو تاريخ علم المدعي بحقه في الاسترداد وبدء سريان التقادم واقعاً في محله بصورة توجب رفض السبب الثاني من الطعن. لذلك حكمت المحكمة بالإجماع برفض الطعن موضوعاً.