إذا كان الالتزام بمرتب مدى الحياة ناشئاً عن تصرف تبرعي، فإن أحكام الهبة والرجوع فيها هي الواجبة التطبيق في حدود ما لا يرد به نص خاص، ولا يملك الملتزم إسقاط التزامه أو استبداله من تلقاء نفسه. وتوافر القرابة المحرِّمة بين الواهب والموهوب إليه يشكّل مانعاً من الرجوع في الهبة.
إن الأحكام المتعلقة بالمرتب مدى الحياة لم تتحدث عن إلغاء هذا العقد، مما يوجب الرجوع إلى الأحكام المتعلقة بالهبة والرجوع فيها، ما دام أن مصدر العقد قد اعتبر تبرعياً.الملتزم بالمرتب مدى الحياة لا يستطيع التخلص من المرتب بأداء شيء آخر عوضاً عنه أو استبداله.القرابة المنصوص عنها في المادة 470 مدني تقرر وجود المانع في الرجوع عن الهبة ولو لم تعد تتوافر للملتزمة الواهبة أسباب المعيشة بما يتفق مع مكانتها الاجتماعية. المناقشة: حيث أن دعوى الطاعنة تقوم على المطالبة بإلزام ابنتها المطعون ضدها بتنفيذ العقد الرسمي المؤرخ 30/12/1971 الذي التزمت بموجبه بدفع مرتب شهري قدره مائة ليرة سورية إلى الطاعنة عرفانًا منها بجميلها عليها.ومن حيث أن الحكم المطعون فيه قضى برد الدعوى واعتمد في هذا الرد على ما يلي:1 – أن المرتب مدى الحياة من عقود الغرر التي يجوز التعاقد عليها ولا يعتبر مالاً مستقبلاً، وتجوز الهبة بموجبه.إن قبول الهبة وقبضها لعدة شهور لا يسقط حق الواهب من حق الرجوع في الهبة إذا توافرت شروط الرجوع.3 – أن المدعية الطاعنة لا تعتبر من ذوي الرحم بالنسبة لابنتها إذ الابن ليس من ذوي الرحم بالنسبة لأمه وهو من عصباتها مما لا يوفر مانع الرجوع عن هبتها.4 – أن يعتبر عذراً مقبولاً للرجوع في الهبة أن يصبح الواهب عاجزاً عن أن يوفر لنفسه أسباب المعيشة بما يتفق مع مكانته الاجتماعية عملاً بالمادة 469 فقرة ب من القانون المدني.وأن البينات التي قدمت في الدعوى تحمل المحكمة على القول أن الواهبة أصبحت عاجزة عن أن توفر لنفسها أسباب المعيشة بما يتفق مع مكانتها الاجتماعية مما يوفر لها عذراً في الرجوع عن الهبة.وعلى هذا يغدو من حقها التمسك بهذا الرجوع وفقا لأحكام المادة 468 من القانون المدني مما ينجم عنه توفر سبب لفسخ العقد وبالتالي رد الدعوى القائمة على المثابرة على تنفيذه.وحيث أن القرار الصادر عن هذه المحكمة برقم 1360/547 تاريخ 8/6/1975 قد فصل النزاع فيما يتعلق بتوصيف العقد وبتعيين النص القانوني الذي يحكمه فاعتبر التزام المطعون ضدها قبل والدتها الطاعنة مصدره تصرف من التصرفات التبرعية بحسبان أنه يجوز أن يهب شخص شخصاً آخر مرتباً مدى الحياة دون أن يتقاضى منه مقابلاً لذلك، وأحكام الهبة هي التي تسري من حيث أهلية الواهب وأهلية الموهوب وعيوب الإرادة. وأن الالتزام بأداء المرتب هو عقد من عقود الغرر تنظمه الأحكام التي قننها المشترع في الباب الرابع الفصل الثاني من القانون المدني ومنها المادة 712 منه.وحيث أنه مما يجدر التذكير به بهذا الشأن نص الفقرة 2 من المادة 708 من القانون المدني وهو يقضي بأن يعتبر (المرتب مقرراً مدى حياة الملتزم له إذا لم يوجد اتفاق يقضي بغير ذلك).وحيث أن فسخ العقد إعمالاً لحكم المادة 158 من القانون المدني لا يكون إلا في العقود الملزمة الجانبيين: (أما العقود التي لا يمكن أن تكون إلا ملزمة لجانب واحد كالوديعة أو الكفالة إذا كانت بغير أجر والهبة بغير عوض فلا يمكن تصور الفسخخ فيها). (السنهوري – الوسيط ).وكذلك الحال فيما يتعلق بالدفع بعدم التنفيذ إعمالاً لحكم المادة 162 من القانون المذكور فهو محصور في العقود الملزمة للجانبين (ذات المرجع ).لهذا وتجاه طائفة معينة من العقود فقد جعل القانون لأحد المتعاقدين الحق في أن يستقل بإلغاء العقد، بإرادة منفردة، وتبعاً لأحكام خاصة أعدها لكل عقد كما هو الحال في عقدي الوديعة أو الهبة مثلاً.وحيث أنه وقد اعتبر العقد محل النزاع، مرتب مدى الحياة بدون عوض، تحكمه المادة 707 وما بعدها من القانون. وكان ليس في الفصل المتعلق بالمواد المذكورة ما يتحدث عن إلغاء مثل العقد المذكور محل النزاع، الأمر الذي يوجب الرجوع بشأن هذا الإلغاء وضمن هذا النطاق إلى الأحكام المتعلقة بالهبة ما دام أن مصدر العقد قد اعتبر تبرعاً وأن ما يعزز هذا الاتجاه ما قرره شراح القانون المدني بصدد عدم قابلية المرتب مدى الحياة للاستبدال.فقد ورد في الصفحة 1072 من الوسيط – عقود الغرر للسنهوري:«المتبرع ملتزم بأداء المرتب ولا يستطيع التخلص منه بأداء شيء آخر، فهو لم يأخذ عوضاً، حتى ولو أخذ عوضاً فهو لا يستطيع التخلص من المرتب برد العوض وإنما يستطيع الواهب أن يرجع عن هبته في المواضع التي يجوز فيها الرجوع في الهبة».وحيث أنه بمقتضى المادة 456 من القانون المدني تعتبر الهبة منعقدة ولازمة فيما إذا وضعت بسند رسمي، على ما هو عليه الحال في السند محل النزاع، ولم يعد القبض شرطاً لانعقادها وإنما هو حالة «تجوز في المنقول أن تتم الهبة لها به دون حاجة إلى سند رسمي» على ما هو صريح الفقرة 2 من المادة المذكورة.وحيث أن إلغاء موجبات العقد محل البحث والحالة هذه على أساس ممارسة حق الرجوع عن الهبة وفقاً للمادة 668 من القانون المدني يتوقف على توافر شرطي قيام عذر مقبول وعدم وجود مانع من الرجوع.وحيث أن الحكم المطعون فيه قد أخطأ فيما اتجه إليه من أن:القرابة فيما بين طرفي الخصومة وابنتها لا تؤلف مانعاً من الرجوع في الهبة ظناً منها أنها لا تدخل في شمول مفهوم «ذي رحم محرم» المنصوص عنه في الفقرة /هـ/ من المادة 470 من القانون المدني، وإنما تعتبر من الوصيات اعتماداً على نص المادة 275 من قانون الأحوال الشخصية التي تعدد الاقارب من أصحاب الوصيات فتذكر الابناء منهم. وفي ضوء نص الفقرة 2 من المادة 289 من القانون المذكور التي تعتبر ذوي الارحام هم الاقارب من غير أصحاب الفروض أو الوصيات ذلك أن ما ورد في نص المادتين 275 أو 289 من قانون الأحوال الشخصية إنما ينصرف إلى ما يتعلق بأحكام الارث وتعيين الورثة.أما ما يتعلق بالهبة فمرده الأحكام الشرعية التي تتصل بها.وقد أورد السنهوري في الوسيط – أن الحكم الآنف الذكر بصدد لزومية الهبة مستمد من الفقه الإسلامي ومستنده الحديث الشريف: «إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع فيها» كما ورد في الصفحة 477 بصدد شرح المادة 866 من مجلة الأحكام العدلية للسيد سليم باز.«المراد بالقرابة هنا القرابة الرحمية المحرمية تدخل فيها الآباء والأمهات وإن علوا أو الاولاد وإن سفلوا والاخوة وأولادهم وإن سفلوا والاعمام والعمات والخالات والاخوال (غرر) وخرج عنها المحرم بلا رحم كأخيه رضاعاً والمحرم بالمصاهرة كأمهات النساء والربائب (تنوير) وأزواج البنات والبنين (قانية)». وبديهي إذا كان الغرض من المانع في الرجوع في الهبة لعلة القرابة مقرراً للحفاظ على صلة القربى والرابطة العائلية فهو أكثر ما يكون توافراً في صلة الام بابنتها.وحيث أن الأخذ بما ذكر يقرر وجود المانع في الرجوع عن الهبة ويستنبع هذا القول بأن الالتزام بالمرتب ما زال قائماً وأن توفر الغرر على ما اعتمده الحكم المطعون فيه في نطاق أن الوهبة لم تعد تتوافر لها أسباب المعيشة بما يتفق مع مكانتها الاجتماعية وفقاً لنص الفقرة (ب) من المادة 469 من القانون المدني لم يعد كافياً لالغاء العقد والدفع بعدم تنفيذه.وحيث أن سير الحكم المطعون فيه على نهج مغاير ويخالف حكم القانون مما يعرضه للنقض.وحيث أن القضية تطرح ثانية أمام هذه المحكمة وعليها الفصل فيها.وحيث أن الاعتماد على ما سبق بيانه بعدم توفر أسباب تبنى عليها الدعوى من شأنها إلغاء العقد مما يوجب الاستجابة لمطالب المدعية تنفيذاً لأحكام العقد وعملاً بأحكام المادة 148 مدني.لذلك، تقرر بالاتفاق:1 – قبول الطعن ونقض الحكم المطعون فيه.2 – إلزام المدعى عليها المطعون ضدها بتنفيذ مضمون العقد الرسمي المؤرخ 30/12/1971.3 – إلزام المذكورة بما استحق عليها منه.