إذا كانت الواقعة محل النزاع تتعلق بوفاةٍ أثناء تدخلٍ جراحي، وجب على المحكمة أن تضع أقوال الخصوم والوقائع والظروف الطبية المحيطة موضع البحث والمناقشة، ولا يكفي الاعتماد على الخبرة الطبية المستندة إلى ما شوهد على الجثة بعد الوفاة وحده. وإغفال هذا البحث يعيب الحكم بالقصور ويستوجب نقضه.
لا يجوز للمحكمة الاخذ بتقارير الخبرة الطبية المستندة الى ما شاهده الاطباء على الجثة دون مناقشة اقوال اطراف الدعوى ووقائعها وجميع الظروف والملابسات التي أدت الى الوفاة أثناء اجراء عملية جراحية المناقشة: لئن كان التجاء المحكمة إلى أهل الخبرة فيما يتعلق بهذه القضية الطبية التي هي من المسائل الفنية البحتة التي يتعذر عليها ان تشق طريقها فيها صحيحا إلا انه لما كان المطعون ضدهما قد أدليا في التحقيقات بأقوال ووقائع ومنها ما قاله الطبيب احمد انه بعد ان تم حقن الطفل بإبرة التخدير من قبل الطبيبة المخدرة لاحظ على الطفل انه حدث به تشنج وعسر تنفس وفهم انه أصيب بتحسس من الدواء التخديري المحقون به وانه أصبح بحالة تستلزم إسعافه فسارعت الطبيبة فأحضرت الأكسجين وأدخلت أنبوب الهواء في الرغامى في حين كان هو يجري عمله الجراحي ولما وجد أن حالة الطفل لم تتحسن توقف عن عمله الجراحي واستمرت الطبيبة المخدرة بإسعاف الطفل وبعد إن انهي عمله الجراحي بإحاطة الجرح الصغير تعاون مع الطبيبة في محاولة لإسعاف الطفل إلا انه ما لبث أن فارق الحياة بعد نصف ساعة وفي رأيه إن أسباب الوفاة كانت نتيجة لتحسس الطفل بمادة التخدير.ومنها ما قالته الطبيبة (أنها بعد أن حقنت الطفل بالمخدر وأعطت الطبيب إشارة البدء في العمل أحست فجأة أن دقات القلب تباطئت وأصيب الطفل بتشنج حنجرة فسارعت إلى تنبيبه بأنبوب لتمرير الهواء إلى الرئتين وأدخلت أنبوبا أخر لفمه لمص المفرزات ثم عاد الجراح إلى متابعة عمله بعد ان تحسنت حاله غير انه أصيب الطفل ثانية بتشنج حنجرة رغم أن أنبوب الأكسجين كان داخل الرغامى وتباطأت ضربات القلب ونبضه فطلبت من الجراح أن يتوقف عن عمله الجراحي بسبب حالة الطفل وعادت إلى إنعاشه بالأوكسجين ومص المفرزات مع تمسيد القلب إلا انه فارق الحياة وعزت أسباب الوفاة إلى انه كان يترتب على الطبيب الجراح أجراء التحضيرات والفحوصات اللازمة كفحوص الدم والتأكد من فراغ معدة الطفل من الأطعمة قبل أجراء العملية لا سيما وانه ليس ثمة حالة مستعجلة لإجراء العملية).وكانت المحكمة مصدرة الحكم المطعون فيه لم تضع هذه الأقوال والوقائع موضوع المناقشة والبحث واكتفت بالأخذ بما ورد في تقريري الخبرتين الخماسية والسباعية بالرغم من أن هاتين الخبرتين لم تضعا أقوال المطعون ضدهما المذكورة موضوع البحث والمناقشة كوقائع معترف بها من قبلهما بل استندتا الى ما شاهده الأطباء على الجثة بعد الوفاة. لما كان ذلك وكان على المحكمة أن تبحث فيما إذا كانت حالة المريض تستدعي إجراء عملية مستعجلة له قبل إجراء الفحوصات الطبية اللازمة له وما إذا كان من الواجب التأكد من حالة قلبه وامكان احتماله التخدير والتحسس وما اذا كان يترتب على الطبيبة المخدرة والطبيب الجراح متابعة العملية بالرغم مما لاحظاه على الطفل من أعراض خطرة كتشنج الحنجرة وعسر التنفس والتحسس بالدواء أثناء العملية أم كان عليهما التوقف عن متابعتها وإرجائها. حتى إذا تعذر على المحكمة ان تشق طريقها في بحث هذه الأمور الفنية استعانت بأهل الخبرة والفن في ذلك.لما كان ذلك القرار المطعون فيه قد جاء قاصرا في بيانه وأسبابه ولم يضع أقوال المطعون ضدهما موضع البحث والمناقشة فانه يتعين نقضه لجهة الحق الشخصي لسقوط الدعوى العمة بالعفو العام رقم 26 تاريخ 12/3/1978