إذا استمرت الجهة المختصة في حسم الاشتراكات التقاعدية من راتب القاضي بعد انتفاء المبرر القانوني لذلك، جاز له استرداد ما اقتطع بغير حق، ويبدأ تقادم دعواه من تاريخ علمه بحقه في الاسترداد لا من تاريخ الاقتطاع ذاته؛ كما لا يسرى عليها تقادم الحقوق الدورية المتجددة إذا انقلبت المبالغ المقتطعة إلى دين غير م...
إن علم القاضي بالاشتراكات التقاعدية التي اقتطعتها مؤسسة التامين والمعاشات من رواتبه كا بغير حق يؤلف واقعة مادية يمكن ان تتحقق بصدور قرار عن الهيئة العامة لمحكمة النقض في عام 77 بوجوب التوقف عن حسم هذه الاشتراكات في حال بلوغ خدمة القاضي الحد الذي يخوله تقاضي الحد الاقصى من المعاش, لان الجهل في تفسير القانون يعتبر عيبا في الإرادة يؤلف خطأ في الواقع يتحرر منه صاحب العلاقة بصدور التفسير عن مرجعه, وان اقتطاع مبالغ من الرواتب على غير إرادة صاحبها يفقده هذا الاقتطاع صفة الحق بعد أن ينتفي عنه المبرر القانوني في إيقاعه, وبالتالي فان دفع مبالغ غير مستحقة إلى الدائن بحق دوري متجدد يجعلها بحكم الرأسمال وتفقد صفتها كحق دوري متجدد فلا تتقادم بخمس سنوات المناقشة: الوقائع:تقدم المدعي بتاريخ 18/3/1978 بدعوى إلى الهيئة العامة لدى محكمة النقض ضد الجهة المدعى عليها (المؤسسة العامة للتأمين والمعاشات) جاء فيها أن المدعي عين مساعداً عدلياً بتاريخ 1/1/1930 حتى تاريخ 15/6/1939 حيث عين قاضياً، إلى أن أحيل على التقاعد في غاية عام 1971 وقد دفع عن كامل خدمته العائدات التقاعدية بما فيها الخدمة في المناطق النائية. وبلغت خدمته ثلاثاً وأربعين سنة. وبما أنه إذا كانت خدمة المدعي بلغت بتاريخ 1/4/1964 أي 34 عاماً في حساب التقاعد فإنه لو أحيل على المعاش في ذلك التاريخ لبلغ سقف الراتب المخصص لمن كان في مرتبته ودرجته. إلا أن مؤسسة التأمين والمعاشات ظلت تقتطع العائدات التقاعدية دون حق حتى أحالته على التقاعد.لذا فإن المدعي يطلب بعد المحاكمة اعتبار حسم العائدات بعد تاريخ 1/4/1964 قد اقتطع دون موجب والحكم برد المبالغ المقتطعة.المناقشة:حيث أن دعوى المدعي تقوم على المطالبة باسترداد الاشتراكات التقاعدية التي اقتطعت من رواتبه بعد تاريخ 1/4/1964 حتى انتهاء خدمته في 31/12/1971 كمحام عام أول في النيابة العامة وهو يؤسسها على أن اقتطاعه منه كان بوجه غير محق.وحيث أن الجهة المدعى عليها دفعت الدعوى بعدم اختصاص الهيئة العامة لمحكمة النقض بالنظر في الدعوى على اعتبار أنها تتعلق باسترداد اشتراكات تقاعدية وليس بمعاش تقاعدي. كما دفعتها بمخالفتها لحكم القانون وصراحة المادة 10 من قانون التأمين والمعاشات التي توجب الاستمرار في الحسميات التقاعدية ما دام الموظف قائماً على عمله.ومن ثم فقد تذرعت بسقوط ما يطالب به المدعي بالتقادم الثلاثي وفق المادة 188 من القانون المدني على أساس أنه يؤلف مطلب استرداد غير المستحق. كما تذرعت بسقوطه بالتقادم الخمسي وفق المادة 373 من القانون المذكور على أساس أنه يتعلق بحق دوري متجدد وهو الراتب الشهري.وحيث أن اجتهاد الهيئة العامة لمحكمة النقض أضحى مستقراً على اختصاصها بالنظر في طلب استرداد ما اقتطع بغير مبرر قانوني من رواتب القضاة على اعتبار أنه متصل بالراتب ويراعى بحقه حكم المادة 51 من قانون السلطة القضائية.كما استقر على أحقيته بهذا الاسترداد لعلة أن الاقتطاع لا مبرر قانوني له بعد أن يبلغ القاضي في خدمته المدة التي تتيح له تقاضي الحد الأقصى من المعاش المخصص لراتبه. وذلك حفاظاً على التوازن القائم بين الالتزامات والحقوق المتوجبة للقاضي صاحب المعاش وتوفيقاً مع قواعد العدالة (تراجع قرارات الهيئة العامة رقم 59/55 تاريخ 28/11/1977 و 66/60 تاريخ 27/12/1977 و 79/61 تاريخ 27/12/1977).وحيث أن تذرع الجهة المدعى عليها بتقادم المادة 188 من القانون المدني لا مجال للأخذ به لأن مدة التقادم في استرداد ما دفع بغير حق لا تسري إلا من اليوم الذي يعلم فيه صاحب العلاقة بحقه في الاسترداد، وهذا العلم في واقعه يؤلف واقعة مادية لم يتحقق إلا في عام 1977 بصدور قرار الهيئة العامة لمحكمة النقض يقضي بوجوب التوقف عن حسم الاشتراكات التقاعدية في الحالة موضوع النزاع.والفقه يعتبر الجهل في تفسير القانون عيباً في الإرادة يؤلف خطأ في الواقع يتحرر منه صاحب العلاقة بصدور التفسير عن مرجعه (يراجع بلانيول نبذة 185).وحيث أنه يفترض بالدفع أنه دفع عن غلط وأنه لم يكن يعلم بأنه غير ملزم بالدفع. كما لا مجال للتذرع بتقادم المادة 373 من القانون المدني المتعلقة بالتقادم الخمسي لأن شرط إعماله أن يكون الحق المدعى به دورياً ومتجدداً.وإن الاقتطاع من راتب المدعي على غير إرادة منه يفقد هذا الاقتطاع صفة الحق بعد أن انتفى عنه المبرر القانوني في إيقاعه.والاجتهاد يقر بأن دفع مبالغ غير مستحقة إلى الدائن بحق دوري متجدد يجعلها بحكم الرأسمال وتفقد صفتها كحق دوري متجدد وبالتالي فلا تتقادم بخمس سنوات (يراجع البند 602 الوسيط للسنهوري).وحيث أن الأخذ بما تقدم يرتب رد الدفع القائم على التقادم بنوعيه.وتغدو بعد هذا دعوى المدعي صالحة للحكم اعتماداً على ما استقر عليه اجتهاد هذه الهيئة كما أشير إليه أعلاه.لذلك تقرر بالأكثرية:1 – قبول الدعوى شكلاً وتقرير اختصاص الهيئة. 2 – قبولها موضوعاً وإلزام الجهة المدعى عليها برد ما اقتطع من راتب المدعي بعد بلوغ خدمته المدة التي تتيح له تقاضي الحد الأقصى من المعاش المخصص.