الأصل في دعاوى الحقوق الشخصية اختصاص محكمة موطن المدعى عليه، والاستثناء المتعلق بدعاوى الشركات أمام محكمة مركز الإدارة يفترض وجود مركز إدارة للشركة؛ فإذا انتفت الشخصية الاعتبارية ومركز الإدارة، كما في شركة المحاصة، بقي الاختصاص لمحكمة موطن المدعى عليه ولو كان أصل الالتزام تجارياً.
في شركة المحاصة التي ليس لها شخصية اعتبارية والتي ينحصر كيانها بين المتعاقدين لا يقاضي الشريك المكلف بإرادة الشركة أمام المحكمة التي في دائرتها يجب الوفاء بل لابد من مقاضاتها أمام محكمة موطنه لكون الدعوى من دعاوى الحقوق الشخصية وتبقى محتفظة بهذه الصفة ولو كان الالتزام في أصله من المواد التجارية المناقشة: من حيث أن دعوى المدعية (الطاعنة) تقوم على طلب الحكم بإلزام المدعى عليه (المطعون ضده) بمبلغ خمسين ألف ليرة سورية بداعي أن المدعى عليه كان مقيماً في مدينة حلب أخذ من المدعية المبلغ المذكور بزعم إنشاء شركة محاصة في حلب للمتاجرة وتحقيق الربح، افتتح مشروعاً وهمياً ثم عمد لتصفية وضم المال كله إلى ذمته دون حق وغادر المدينة دون أن يرد إليها المال الذي أخذه منها كرأسمال لشركة المحاصة. وقد دفع المدعى عليه دعوى المدعية بعدم الاختصاص المكاني باعتبار أنه من أهالي دمشق. ومن حيث أن كلاً من محكمتي البداية والاستئناف قضتا بعدم الاختصاص المكاني واحالة الدعوى بحالتها الراهنة إلى محكمة البداية في دمشق تأسيساً على أنه في شركة المحاصة التي ليس لها شخصية اعتبارية والتي ينحصر كيانها بين المتعاقدين، لا يقاضي الشريك المكلف بإدارتها أمام المحكمة التي في دائرتها تم الاتفاق أو التسليم أو التي في دائرتها يجب الوفاء، بل لابدّ من مقاضاته أمام محكمة موطنه لكون الدعوى من دعاوى الحقوق الشخصية وتبقى محتفظة بهذه الصفة ولو كان الالتزام في أصله من المواد التجارية. ومن حيث أن القاعدة العامة في الاختصاص المحلي هي أن يكون الاختصاص للمحكمة الواقع في دائرتها موطن المدعى عليه، وذلك لأنه ما دام لم يصدر حكم بأحقية المدعي لما يزعمه، فإن المدعى عليه يعتبر محقاً في موقعه إزاءه ويكون المدعي على خلاف الظاهر مطالباً بأن يتبعه الى موطنه ويختصمه أمام المحكمة التي يقع في دائرتها هذا الموطن ولا يسوغ له أن يطلقه عنتاً بأن يجلبه إلى محكمته هو، وهو بعد مدع بحق لم يثبت له، وإنما يكون العبء كله من حيث متاعب الالتجاء للقضاء والوفاء بنفقاته، وإقامة الدليل على صحة الادعاء واقعاً على عاتق المدعي. وقد أورد المشر السوري هذه القاعدة في المادة 81 من قانون أصول المحاكمات، فنص على أنه في دعاوي الحقوق الشخصية أو المنقولة يكون الاختصاص للمحكمة التي يقع في دائرتها موطن المدعى عليه والمشرع لم يأخذ في تحديد الاختصاص المحلي للمحاكم بالقاعدة العامة على اطلاقها، بل جانبها في بعض الحالات مراعاة لجانب المصلحة والعدالة. ففي الدعاوى المتعلقة بالشركات أو الجمعيات القائمة أو التي في دور التصفية أو المؤسسات جعل المشرع الاختصاص للمحكمة التي يقع في دائرتها مركز ادارتها سواء أكانت الدعوى على الشركة أو الجمعية أو المؤسسة أم من الشركة أو الجمعية أو المؤسسة على أحد الشركاء أو الأعضاء أم من شريك أو عضو على آخر (المادة 83 أصول). وحكمة العدول عن القاعدة العامة – في هذه الحالة – هي رغبة المشرع في رعاية جانب العدالة، التي تقضي باختيار محكمة تكون على مقربة من مركز الشركة أو الجمعية أو المؤسسة لتتمكن من فحص أوراقها ودفاترها بقليل من المشقة والنفقة عندما ترفع اليها منازعة متعلقة بصحة تكوينها أو بالأعمال التي تجريها. فالاستثناء موضوع لمصلحة الخصوم أنفسهم ولضمان حسن سير القضاء. على أن هذا الاستثناء الذي وضعته المادة 83 أصول الذي يستبدل بمحاكم مواطن الشركاء أو الأعضاء المحكمة التي يقع في دائرتها مركز الشركة، أو الجمعية أو المؤسسة فإن هذا الاستثناء لا يمكن أن يؤخذ على اطلاقه، وأن يطبق على جميع المنازعات التي تكون الشركة طرفاً فيها، وإنما يجب أن تتوافر بالنسبة للدعاوى التي تضمنتها تلك القيود شروط منها – أن يكون للشركة مركز إدارة فلا تطبق هذه الحالة إذا كانت الدعوى متعلقة بشركة لا مركز لها كالشركات المحاصة <p> نقض فرنسي – الدائرة المدنية – 4 حزيران سنة 1960 سيري 61/1/75). ولما كان ذلك، وكانت شركة المحاصة لا مركز لها فلا تطبق المادة 83 أصول على واقعة دعوى المدعية مما يتعين رفض الطعن لخلوه من عوامل النقض.