إذا تعارض نص تشريعي مع الدستور في نزاع معروض على المحكمة، فلها أن تستبعد تطبيقه بطريق الدفع متى كان ذلك لازماً للفصل في الدعوى، دون أن يكون في ذلك إلغاء للنص أو وقف لتنفيذه، لأن المحكمة إنما تُقدّم النص الدستوري الأعلى مرتبة على النص الأدنى المتعارض معه.
اذا كان ليس للقضاء التصدي لدستورية القوانين عن طريق الدعوى نظرا لانتفاء النص الا أن القضاء مخول صلاحية التصدي لذلك عن طريق الدفع والاستبعاد بالامتناع عن تنفيذ القانون المخالف للدستور في الدعوى المائلة أمام المحكمة ولا يعتبر هذا تعديا من القضاء على سلطة التشريع لأن المحكمة لا تقضي بإلغاء القانون ولا تأمر بوقف تنفيذه وإنما تفاضل بين تشريعين متعارضين وتقرر أيهما أولى بالتطبيق وذلك من خلال مبدأ علة الدستور وسيادته على القانون المناقشة: من حيث أن دعوى المدعية الطاعنة تقوم على طلب ربع القيمة التخمينية الذي اقتطعته البلدية المدعى عليها المطعون ضدها من بدل استملاك عقار المدعية لعلة عدم دستورية القانون الذي أجاز هذا الاقتطاع ومن حيث أن النزاع المثار لا يرمي الى ابطال مرسوم الاستملاك، ولا يراد به الطعن في صحة اجراءاته، وانما يتناول عدم أحقية الادارة في اقتطاع قيمة الربع المجاني لعدم شرعية المرسوم التشريعي رقم ۳۰ تاريخ ١٩٦٦/٤/٣٠ الذي يحكم القضية بشأن الاقتطاع المجاني، الأمر الذي يعقد للقضاء العادي حارس الملكية اختصاص النظر فيما هو مختلف عليه، وفق ما قضت به محكمة النقض في حكمها رقم ١٤٨٧ تاريخ ۱۱/۲۹/ ۱۹۷۸ الصادر في الدعوى المائلة المؤيد باجتهاد محكمة النقض في أحكامها ذوات الارقام ۲۸۹ تاريخ ١٦٨/١٠/١٧ و ١٠٦ تاريخ ٤/١٢/ ١٩٦٧ و ٧٤٦ تاريخ ١٩٧٧/٥/٣٠ ومن حيث أن المرسوم التشريعي رقم ۳۰ تاريخ ١٩٦٦/٤/٣٠ المتهم للمادة السادسة قانون الاستملاك السابق رقم ٩٤٦/٢٧٢، الذي يسود القضية، قد أنه نص على أنه عندما يتم الاستملاك لأغراض السكن وفقا للقانون رقم ٩٤ تاريخ /٣/٤/٦ة أو الأحكام القانون رقم ٩٥٨/٦٥ أو لشق الشوارع وانشاء الساحات والحدائق تنفيذا لمصور تخطيطي مصدق، يقتطع لصالح الجهة المستملكة ربع القيمة التحكيمية للأراضي العائدة للعقارات المستملكة، سواء بقي منها جزء قابل للانتفاع أم لم يبق. ومن حيث أن الحكم المطعون فيه الذي انتهي إلى قانونية الاقتطاع موضوع الدعوى، انما اتبع في ذلك اجتهاد محكمة النقض في حكها رقم ٧٤٦ تاريخ ٥/٣/ ۱۹۷۷ وفي أحكام ماثلة سابقة. على أن الغرفة المدنية بحكمة النقض الناظرة في الطعن الماثل قد رأت العدول عن الاجتهادات السابقة المشار اليها وعرضت طلب العدول على الهيئة العامة لمحكمة النقض ومن حيث أن الهيئة العامة المشار اليها في حكمها رقم ۲۹ تاريخ ۹۸۳/۱۱/۲۸ قضت بالعدول عن الاجتهاد السابق آنف الذكر، وبإمكانية عدم تطبيق حكم المادة الأولى من المرسوم التشريعي رقم ٣٠ تاريخ ١٩٦٦/٤/٣١ المعدلة لقانون الاستملاك السابق رقم ٩٤٦/٢٧٢ بطريق الدفع فيما يتعلق بقيمة الربع المجاني في حال استملاك كامل العقار نظرا الى تعارضه مع الدستور تأسيسا على أن الملكية الفردية لا تنزع الا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل وفقا للقانون، عملا بنصوص الدستور. واذا كان النص في قانون الاستملاك السابق رقم ٩٤٦/٢٧٢ قبل تعديله بالمرسوم التشريعي ٩٦٦/٣٠ يجيز اقتطاع الربع المجاني من العقار، فذلك يقابله التحسين الطارئ على الجزء الباقي منه على نحو يصح معه القول بأن الاقتطاع لم يكن في حقيقته مجانيا، وانما ثمة عملية تقاص تجري تحت شعار مقابل التحسين أو الشرفية. ومن حيث أن وجوب مراعاة النص الدستوري الذي يحتم أن يكون التعويض عادلا، انما تستتبع أن يتناول التعويض كامل مساحة العقار المستملك دون اقتطاع مجاني من القيمة في حال استملاك كامل العقار، والا انصرف التعويض الى ثلاثة أرباعه فحسب، مما يفقد العدالة من التعويض ويغدو تطبيق المرسوم التشريعي /٩٦٦/٣٠ منطويا على مخالفة لأحكام النص الدستوري المذكور. ومن حيث أن القول بأن الاستملاك لأغراض السكن الشعبي أو للأغراض الأخرى سالفة البيان هي تستهدف مصالح الجمهور واحتياجات المرافق العامة وبأن المرسوم التشريعي ٩٦٦/٣٠ افترض مساهمة مالكى العقارات المستملكة للأغراض المذكورة مع الجهات المستملكة في أعباء هذه الاغراض على نحو تعتبر هذه المساهمة من قبل أصحاب العقارات المستملكة ضربا من ضروب التكاليف العامة، انما هو قول لا يتفق مع صفة الشمول التي تتميز بها التكاليف العامة. وان صفة الشمول هذه لا تتوافر في حالة الاستملاك لأنه لا يتناول جميع مالكي العقارات، وانما يقتصر على بعض منهم، باعتبار أن الاستملاك لا ينصب الى على منطقة عقارية معينة دون المناطق الأخرى، فيصيب بعض المالكين دون البعض الآخر ومن حيث أنه اذا كان ليس للقضاء التصدي لدستورية القوانين عن طريق الدعوى نظرا الى انتفاء النص، الا أنه مخول صلاحية التصدي لذلك عن طريق الدفع والاستبعاد بالامتناع عن تنفيذ القانون المخالف للدستور في الدعوى المائلة أمام المحكمة ولا يعتبر هذا تعديا من القضاء على سلطة التشريع، لان المحكمة لا تقضى بإلغاء قانون، ولا تأمر بوقف تنفيذه وغاية الأمر أنها تفاضل بين متعارضين فتفصل في هذه الصعوبة وتقرر أيهما أولى بالتطبيق، وذلك خلال مبدأ علو الدستور وسيادته على القانون ومن حيث أن اعتماد هذا المنظور القانوني لا يحد منه تشكيل محكمة دستورية بموجب القانون رقم ۱۹ تاريخ ۱۹۷۳/۷/۲ لان عمل المحكمة المذكورة مقيد بظروف معينة تستدعي طلبا من رئيس الجمهورية أو ربع أعضاء مجلس الشعب، طبقا لما نص عليه الدستور. كما لا يحد منه نص الدستور النافذ الذي أبقى على القوانين السابقة إلى أن يتم تعديلها أو الغاؤها بالطرق القانونية. الامر الذي يجعل أسباب الطعن واردة على الحكم، فيتعين نقضه ومن حيث أن الدعوى مهيأة للحكم. ومن حيث أن أسباب الاستئناف لا تنال والحالة هذه من الحكم البدائي المستأنف، فيتحتم ردها وتصديقه