إذا أناط القانون بالمحكمة تعيين المحكّمين بقرار مبرم، فإن هذا الإبرام يمتد إلى ما يتضمنه القرار من قضاءٍ لازِمٍ للفصل في المنازعة المرتبطة بتعيينهم، ولا سيما النزاع على الاختصاص وقيام شرط التحكيم، ولا يقبل القرار في هذا النطاق طريقاً من طرق الطعن متى كان القانون قد جعله مبرماً.
إن الحكم البدائي الذي قضى بتعيين محكم عن الشركة العامة لامتناعها عن تعيينه. وبتعيين المحكم الثالث قد اعتبر الطرفين ملزمين باتباع التحكيم. والحكم البدائي الصادر في هذا الشأن في غرفة المذاكرة غير قابل للطعنالمحكمة عندما تتولى تعيين المحكمين لابد وأن تبت أولاً بأوجه المنازعة بين الطرفين أياً كان وجه النزاع وطبيعته ومداه طالما أنه لصق بمسألة تعيين المحكمين ومنبثق ومتفرع عنها إن صفة الإبرام المقترن بها قرار تعيين المحكمين ينسحب إلى ماتضمنه القرار إياه من قضاء بشأن ما يرتبط به موضوع تعيين المحكمين بما في ذلك النزاع على الاختصاصإن الاجراءات التي رسمها القانون لاعطاء القرار التحكيمي الصيغة التنفيذية من قبل قاضي الأمور المستعجلة من شأنه أن يكفل حق الطرفين في أن يثيرا أمامه المطاعن بشأن الخلل في مشكلة التحكيم والقرار التحكيمي. المناقشة: في الوقائع: تقدمت الجهة المدعية بدعوى إلى محكمة البداية المدنية بدمشق ضد المدعى عليها الشركة العامة للتجزئة تطلب فيها اعطاء القرار بتعيين رئيس لجنة التحكيم ومحكم الجهة المدعى عليها. فأصدرت المحكمة المذكورة قرارها المتضمن الزام الطرفين اتباع التحكيم الوارد في المادة 46 فقرة/ب/من المرسوم 195 الخ. ماجاء في القرار. استأنفت الجهة المدعى عليها هذا القرار طالبة فسخه والحكم برد الدعوى. كما استأنفته الجهة المدعية طالبة تعديل القرار واعتباره مبرماً. أصدرت محكمة الاستئناف قرارها المطعون فيه المتضمن قبول الاستئنافين شكلاً لجهة الاختصاص والزامية التحكيم ورد الاستئنافين شكلاً فيما عدا ذلك لكون قرار تعيين المحكمين مبرماً لايقبل أي طريق من طرق الطعن. طعنت الجهة المدعى عليها بهذا القرار. النظر في الطعن وأسباب الطعن: 1 – عقد الاشغال القائم بين الطرفين هو عقد إداري فيختص مجلس الدولة بنظر النزاع. 2 – خضوع الشركة الطاعنة للمرسوم التشريعي رقم 18 لعام 1984 لاينفي عنها صفة المرفق العام والإدارة العامة مما يخضع عقودها لاختصاص القضاء الإداري. 3 – خضوع الشركة الطاعنة في بعض مجالات نشاطها لقواعد القانون الخاص لايؤثر على صفتها كمصلحة عامة تدير مرفقاً عاماً. 4 – العقد موضوع النزاع خلو من شرط التحكيم. 5 – دفتر الشروط العامة المطبق لدى الشركة الصادرة بالمرسوم 1073/1979 يعتبر نصاً خاصاً يتقدم في التطبيق على المرسوم 195 لعام 1974. 6 – المحكمة بحثت في دعوى خارجة عن اختصاصها. في مناقشة وجوه الطعن: من حيث ان دعوى المدعين المطعون ضدهما تقوم على طلب تعيين محكم الشركة المدعى عليها الطاعنة لامتناعها عن تعيينه. وتعيين المحكم الثالث ليتسنى للمحكمين الفصل في النزاع القائم بين الطرفين حول تنفيذ الصالات والمجمعات في مشروع الزبداني لبيع المستهلك الجاري بموجب العقد المبرم بين الطرفين الذي التزم بموجبه المطعون ضدهما بتنفيذ العمل المذكور. ومن حيث أن الحكم البدائي الذي قضى بتعيين محكم عن الشركة العامة الطاعنة لامتناعها عن تعيينه وتعيين المحكم الثالث عملاً بالمادة 512 من قانون أصول المحاكمات المدنية قد اعتبر الطرفين ملزمين باتباع التحكيم عملاً بالمادة 46/بوأ من المرسوم التشريعي رقم 195/1974 وان العقد بينهما عادي. ومن حيث أن الحكم البدائي يصدر في هذا الشأن في غرفة المذاكرة اعتبر قابلاً لأي طريق من طرق الطعن عملاً بالمادة 512/3 أصول. ومن حيث أنه لا يبدل من هذا النظر القانوني أن الشركة العامة الطاعنة تمسكت بانتفاء الشرط التحكيمي بين الطرفين وأثارت عدم اختصاص القضاء العادي بنظر الدعوى الإدارية للعقد الناظم بين الطرفين ذلك أن لجوء المطعون ضدهما إلى المحكمة لتعيين المحكمين المذكورين لم يجعل إلا لقيام منازعة بهذا الصدد بين الطرفين، وبالتالي لايتم اللجوء أصلاً إلى القضاء لتعيين المحكمين إلا عند وقوع نزاع بين المتعاقدين في هذا الشأن. ولولا نشوب النزاع لجرى تعيين المحكمين من قبل أصحاب العلاقة دون حاجة إلى تدخل القضاء في ذلك. فالمحكمة عندما تتولى تعيين المحكمين لا بد وأن تبت أولاً بأوجه المنازعة بين الطرفين حول هذا الموضوع أياً كان وجه النزاع وطبيعته ومداه طالما أنه لصيق بمسألة تعيين المحكمين ومنبثق عنها ومتفرع عنها. ومن حيث أن المشرع حينما أناط بالمحكمة تعيين المحكمين بقرار مبرم إنما افترض نشوب نزاع بين المتعاقدين حول ذلك وضرورة حسمه من قبل المحكمة في معرض تعيين المحكمين أو رفض تعيينهم. مما يجعل صفة الإبرام المقترن بها قرار تعيين المحكمين منسحبة إلى ماتضمنه القرار إياه من قضاء بشأن مايرتبط بموضوع تعيين المحكمين بما في ذلك النزاع على الاختصاص وفق ماجرى به اجتهاد محكمة النقض في حكمها رقم 612 تاريخ 31/12/1983 بحسبان أن الحكمة التشريعية من نص المادة 512 أصول تكمن فيما ابتغاه المشرع من وجوب تسهيل نفاذ مراحل واجراءات التحكيم لما يتسم به من طابع الاستعجال والسرعة في فض النزاع موضوع التحكيم. وعلى تقدير أن الاجراءات التي رسمها القانون لاعطاء القرار التحكيمي الصيغة التنفيذية من قبل قاضي الأمور المستعجلة على نحو مانصت عليه المادة 534 أصول من شأنها أن تكفل حق الطرفين في أن يثيرا أمام هذا القاضي الطاعن بشأن الخلل في شكلية التحكيم والقرار التحكيمي إلا إذا كان القرار التحكيمي قابلاً للاستئناف فعندئذ تتولى محكمة الاستئناف الفصل في أسباب الطعن المثارة. ومن حيث أن الحكم المطعون فيه الذي ندّ عن هذا المسار القانوني في قضائه قد جانب محجة السداد وجاء موصوماً بعيب الخطأ في تطبيق القانون على نحو يملي نقضه. ومن حيث أن نقض الحكم المذكور كون الحكم المستأنف مبرماً لايقبل الاستئناف من شأنه أن يحول دون البحث في أسباب الطعن. لذلك حكمت المحكمة بالاجماع بنقض الحكم المطعون فيه لما ذكر.