لا يزول المانع الأدبي لمجرد وجود محررٍ واحد بين الأقارب إذا كان لتنظيم شأنٍ محدد، ما لم يثبت اتخاذ الكتابة سبيلاً معتاداً للتعامل بينهم؛ كما أن ما يثبت في محاضر الجلسات من أقوال ووقائع قد يشكل مبدأ ثبوت بالكتابة يفتح باب الإثبات بالشهادة.
تحرير ورقة بين الأقارب لتنظيم شأن واحد من شؤونهم لايكفي لهدر المانع الادبيضبوط جلسات المحاكمة وما جاء فيها من إفادات تعد مبدأ ثبوت بالكتابة . المناقشة: القرار موضوع المخاصمة:صادر عن محكمة النقض – الغرفة المدنية الثانية برقم أساس (1778)، وقرار 1600 تاريخ 18/10/2001، المتضمن من حيث النتيجة نقض الحكم المطعون فيه.النظر في الدعوى:إن الهيئة الحاكمة، بعد اطلاعها على استدعاء المخاصمة، وعلى القرار موضوع المخاصمة، وعلى مطالبة النيابة العامة، المتضمن من حيث النتيجة رد الدعوى شكلاً، بتاريخ 14/11/2002، وعلى أوراق القضية كافة، وبعد المداولة، أصدرت الحكم الآتي:أسباب المخاصمة:1 – تجاهلت الهيئتان المخاصمتان الوقائع الثابتة في محاضر الجلسات، كما تجاهلت أيضاً ما ورد في متن القرار المطعون فيه حول موافقة الطاعن على مبدأ الإثبات بالبينة الشخصية، ونقضت الهيئة الأولى المخاصمة القرار الاستئنافي الأول المطعون فيه، ونقضت الهيئة الثانية القرار الاستئنافي الثاني الصادر بعد النقض الأول بداعي عدم جواز الإثبات بالبينة الشخصية، الأمر الذي أوقعهما في الخطأ المهني الجسيم.2 – إن الهيئتين المخاصمتين مصدرتي الحكم الناقض الأول، والحكم الناقض الثاني، قد خالفتا المبادئ الأساسية للقانون عندما خالفتا أحكام المادتين (43) و(54) من قانون البينات. وخالفتا كل الاجتهادات الصادرة عن محكمة النقض، وإن قواعد الإثبات ليست من النظام العام، وإنه يمكن للأطراف أن يتفقوا على أنواعها، ويجوز للقاضي أن يقبل الإثبات بالبينة الشخصية إذا لم يعترض الخصم. (القاعدة 211 من تقنين البينات لشفيق طعمه). إن الهيئة المخاصمة خالفت هذه المبادئ، ورفضت قبول الإثبات بالبينة الشخصية رغم موافقة الطرفين، مما أوقع الهيئة المخاصمة بالخطأ المهني الجسيم.3 – إن الاجتهادات مستقرة بأن تنظيم وثيقة واحدة لا يهدر المانع الأدبي إذا لم يثبت اعتيادهما التعامل بالكتابة، مما ينفي الثقة بينهما، وإن مدعية المخاصمة، وشقيقها المدعى عليه، لم يتعاملا بالكتابة سوى مرة واحدة، ولتنظيم شأن واحد، وهو تخصيص كل منهما بالأسهم الشائعة، وتثبيت هذا التخاصص أمام القضاء لم يكن نتيجة نزاع، وإنما بتوافق الطرفين، وهذا الأمر لا يسقط المانع الأدبي، وقد خالفت الهيئتان المخاصمتان المبادئ الأساسية للقانون، واجتهاد محكمة النقض، مما أوقعهما بالخطأ المهني الجسيم.4 – إن الهيئة المخاصمة لم تدرس الدعوى باهتمام، ولم تحط بوقائعها الثابتة، مما أوقعها بالخطأ المهني الجسيم، فقد صدرت رخصة البناء باسم مدعية المخاصمة، وشقيقها المدعى عليه، وإن نظام ضابطة البناء في منطقة العقار يفرض أن يكون الحد الأدنى لمساحة الأرض الزراعية للسماح لمالكها بالبناء لا يقل عن (4000) م2، وإن المساحة التي يملكها شقيق المدعية هي (600) م2 فقط، ولا يمكن السماح بالبناء عليها، ولا تخوّله حق الحصول على رخصة البناء، وإن اشتراك الطرفين برخصة البناء دليل قاطع على أن غايتهما من البناء الاستفادة منه، لأن الأرض رغم اتساعها لا تصلح لشيء إذا لم يسمح بالبناء فيها.5 – عدّت محكمة الاستئناف أن إبراز رخصة البناء الصادرة باسم الطرفين مبدأ ثبوت بالكتابة، يجوز تعزيزه بالبينة الشخصية، وباستجواب الأطراف، وموافقتهما على الإثبات بالبينة الشخصية، والقرائن الأخرى، إلا أن الهيئة المخاصمة تجاهلت الوقائع الثابتة، وخالفت المبادئ الأساسية للقانون، وتجاهلت الدفوع، وتدخلت بقناعة محكمة الموضوع المستمدة مما هو ثابت في ملف الدعوى، مما أوقعها بالخطأ المهني الجسيم.النظر في الدعوى:حيث إن وثائق هذه الإضبارة تشير إلى أن مدعية المخاصمة. تملك مع شقيقها المدعى عليه. العقارين (1048) و(655) منطقة جمرايا، وذلك على الشيوع. وبما أن أنظمة البلدية في تلك المنطقة لا تسمح بالبناء في العقارات الزراعية في حال كون المساحة للعقار تقل عن (4000) أربعة آلاف متر مربع.وبما أنه قد اتفق الطرفان على إزالة الشيوع بموجب تخاصص جرى تثبيته قضائياً، وبلغت مساحة العقار الأول رقم (1048) أربعة آلاف وعشرين متراً مربعاً، اختصت به مدعية المخاصمة مع شقيقها. بواقع (600) ستمئة متر مربع لشقيقها، والباقي لها، واختصت مدعية المخاصمة بكامل مساحة العقار الثاني رقم (655) ثم جرى حصول مدعية المخاصمة وشقيقها. على رخصة بناء باسميهما على العقار رقم (1048) لبناء المساحة التي تسمح بها الأنظمة.وبعد صدور الرخصة، وإشادة البناء، أنكر المدعى عليه. حق مدعية المخاصمة التي طالبته بالسطح بحسب الاتفاق الشفهي الحاصل بينهما، وأنها شاركت بنفقات البناء، مما اضطر مدعية المخاصمة لإقامة الدعوى على شقيقها. وبالمحاكمة أمام محكمة البداية المدنية قررت المحكمة رد دعواها، فتقدمت باستئناف على هذا القرار، فقررت المحكمة بموجب قرارها رقم (286)، تاريخ 19/10/2000 بالدعوى أساس (1739)، والمتضمن فسخ القرار المستأنف، وتثبيت الاتفاق الجاري بين الطرفين، وإلزام المستأنف عليه. بتسجيل سطح البناء القائم على جزء من العقار رقم (1048) بموجب الترخيص رقم (2) محلية (15) من منطقة جمرايا، وما يعلوه لاسم المدعية. وبالطعن على هذا القرار قررت الهيئة المشكو منها بموجب قرارها رقم (1600/2001)، تاريخ 8/10/2001، بالدعوى أساس (1778)، نقض الحكم المطعون فيه بتسبيب أن المدعية طلبت إثبات دعواها بالبينة الشخصية لوجود المانع الأدبي، وإن المحكمة رغم معارضة المدعى عليه. قد استمعت لأقوال الشهود. وبما أن الطرفين اختارا توثيق عقد التخاصص كتابةً، وتثبيته لدى المحكمة، وإن هذا الاختيار، وتفضيل الدليل الكتابي، يحول دون قبول البينة الشخصية.وحيث إنه، وبالمحاكمة مجدداً أمام محكمة الاستئناف، أصدرت قرارها رقم (3/2002)، تاريخ 21/1/2002، بالدعوى أساس (355)، والمتضمن الإصرار على قرارها السابق، وذلك بتثبيت قرارها السابق رقم (286)، أساس (1739)، تاريخ 19/10/2000. وبالطعن على هذا القرار أصدرت الهيئة المشكو منها قرارها رقم (378/2002)، تاريخ 1/4/2002، بالدعوى أساس (2853)، بوصفها محكمة موضوع، والمتضمن نقض الحكم، وقبول الاستئناف شكلاً، ورده موضوعاً، وتصديق الحكم البدائي المستأنف. لذلك تقدمت المدعية بدعوى المخاصمة هذه، وطلبت إبطال هذا القرار للأسباب الواردة في استدعاء الدعوى أعلاه. ومن حيث إن جوهر هذه القضية يدور حول سطح البناء، وما يعلوه.وحيث إنه من الثابت بأن رخصة البناء باسم مدعية المخاصمة. وشقيقها. ومن حيث إن محكمة الاستئناف قد استجوبت الطرفين بجلسة 22/8/2000، وحيث إن وكيل مدعية المخاصمة التمس دعوة الشهود، وقد قال المستأنف عليه: "أعارض في دعوة الشهود لعدم معرفتهم، ولا مانع لدي من دعوة أشقاء الطرفين"، فقررت المحكمة دعوة الشهود المذكورين من قبل الطرفين، وحضر وكيل الجهة المدعى عليها جلسة 19/9/2000 الأستاذ. وقال لقد أحضرت شهودي وهم. والتمس الاستماع لشهادتهم، علماً أن هذين الشاهدين هما أشقاء المدعى عليه. وجرى الاستماع لشهادتهما بموافقته، وقبوله، واستمعت المحكمة كذلك لأقوال شهود المدعية.ومن حيث إن المدعى عليه. قد قال لدى استجوابه من قبل المحكمة:"هناك اتفاق قضائي يشير إلى ملكيتي، كما يشير إلى موافقة المدعية على البناء وفق ما ذكرت، ويشهد على ذلك شقيقي.".وحيث إن الهيئة المشكو من قرارها قد تجاهلت الوقائع الثابتة بالدعوى، مما يجعلها قد وقعت بالخطأ المهني الجسيم هذا من جهة. وحيث إن الاجتهاد القضائي مستقر على أن "تحرير ورقة بين الأقارب لتنظيم شأن واحد من شؤونهم لا يكفي لهدر المانع الأدبي". (قرار محكمة النقض السورية رقم 153، أساس 70، تاريخ 27/2/1985، وفي العديد من الاجتهادات الأخرى).وحيث إن مدعية المخاصمة قد نظمت عقد تخاصص بينها وبين شقيقها بتاريخ 5/1/1995، وجرى تثبيت هذا التخاصص أمام المحكمة بتاريخ 20/11/1995. وحيث إن تثبيت عقد التخاصص أمام المحكمة كان حول الشأن ذاته الذي نظم فيه عقد التخاصص، ولا يعني ذلك اعتياداً على ربط العقود بالدليل الخطي، ولا يشكل مسوّغاً لعدم الأخذ بالمانع الأدبي بين الأشقاء.وحيث إن صدور رخصة البناء باسم مدعية المخاصمة، وباسم شقيقها. معاً هو قرينة، ودليل لا يجوز تجاهله.كما وأن ضبوط جلسات المحاكمة، وما جاء فيها من إفادات، تعدّ مبدأ ثبوت بالكتابة، وقد أجاز المشرع الإثبات بالشهادة عند وجود مبدأ ثبوت بالكتابة، ومن شأن هذه الكتابة الصادرة عن الخصم أن تجعل وجود العقد المدعى به قريب الاحتمال.ومن حيث إن توجّه الهيئة المشكو من قرارها – لما سبق ذكره – يجعلها واقعة بالخطأ المهني الجسيم المبطل لقرارها.وحيث إن هذه الهيئة قد قبلت الدعوى شكلاً، وحيث إن إبطال الحكم يقوم مقام التعويض.لذلك تقرر بالاتفاق:1 – قبول دعوى المخاصمة موضوعاً.2 – إبطال القرار الناقض الأول رقم أساس (1778)، قرار رقم (1600)، تاريخ 8/10/2001، والقرار الناقض الثاني رقم أساس (2853)، برقم (3628)، تاريخ 19/4/2002، الصادرين عن الغرفة المدنية الثانية بمحكمة النقض، واعتبار هذا الإبطال بمثابة التعويض.3 – إعادة التأمين. 4 – حفظ الملف أصولاً.