التصرف القانوني المنجز الصادر من المورث في حياته، متى خرج به العقار من ملكه ولم يشبه عيبٌ من عيوب الإرادة، يكون نافذاً في مواجهة الورثة، ولا يُبطل لمجرد قصد الحرمان أو عدم دفع البدل أو بقاء التسجيل على اسم المورث. واحتفاظ المورث بحق الانتفاع لا يحوّل التصرف إلى وصية إذا توافرت قرائن البيع المنجز.
إن خروج العقار من ملكية المورث حال حياته لسبب من أسباب التصرف يجعل لا حق للورثة ولا سبيل لهم إليه ولو كان المؤرث قصد حرمانهم أو انقاص انصبتهم ما لم تكن تصرفات المؤرث مشوبة بعيب من عيوب الإرادة بحسبان أن لمالك العقار أن يهبه لمن يشاء. وان تصرف المؤرث لأحد الورثة مع احتفاظه بحق الانتفاع بالعقار مدى الحياة يعتبر من قبيل البيع المنجز ولا يخضع لأحكام الوصية. يتحتم على محكمة الموضوع اتباع النقض ويتوجب على الغرفة مراعاة حجية حكم النقض ولو تعارض مع الاجتهاد. المناقشة: أسباب الطعن:1 – تؤسس المطعون ضدها دعواها على اعتبار أن مورث الطرفين باعها العقار موضوع الدعوى بموجب سندين عاديين مؤرخين في 1 / 3 / 1951 و 21 / 3 / 1969 مقابل ثمن مقبوض قدره ثلاثة آلاف ليرة سورية في حين أن بيان القيد العقاري يؤكد أن العقار مسجل على اسم المورث خالياً من أية إشارة مانعة من التصرف والطاعن يجادل في صحة ونفاذ هذا البيع لأن السند الأول ساقط بالتقادم الطويل والثاني صدر بعد الأول بمدة تزيد عن الخمسة عشر عاماً دون أن تقوم المدعية بتسجيله في السجل العقاري أو أن تضع يدها على المبيع أو تتصرف به وبقي المورث واضعاً يده عليه باشغال جزء منه بنفسه وبتأجير اجزائه الأخرى للغير مما يخفي وصية مضافة لما بعد الموت وبلا عوض وقد أكد الشهود المستمعين أن المورث هو الذي كان يتصرف بالعقار سواء لجهة الحيازة المادية باعتباره يسكن إحدى الغرف ويتقاضى أجرة الغرفة الأخرى لنفسه إلى جانب حيازته القانونية ببقاء العقار مسجلاً على اسمه في السجل العقاري ولم يذكر أياً من الشهود أنه شاهد المستأنف عليها تدفع أي ثمن لمؤرثها في حين أكد الشاهد أسعد قول المؤرث – بدي أعطي هالدار لها البنت – مما يفيد التبرع بدون مقابل فهو بمثابة الهبة التي لا تصح إلا بالتسليم في المنقول والتسجيل في غير المنقول وبعد قبول الموهوب له للهبة وان تكون بسند رسمي والحكم المطعون فيه لم يلحظ ذلك فقد شابه القصور وخالف القانون.2 – العقد المؤرخ 1 / 3 / 1951 ظل بدون تنفيذ لمدة تزيد على خمسة عشر عاماً والعقد اللاحق بتاريخ 31 / 2 / 1969 كان تأكيداً على أن العقدين معاً هما وصية لما بعد الموت صيغت بصيغة عقد بيع والحقيقة أنه لا الثمن دفع إلى البائع وان المطعون ضدها لم تعلم بالعقد إلا بعد أن اشرف والدها على الهلاك وهي لم تضع يدها على المبيع ولم تنتفع به ولا هي ادعت بتسجيله مما ينبغي الاستلام والانتفاع ويثبت بقاء الحيازتين المادية والقانونية بين المورث حتى وفاته خاصة وان العقار مسجل نتيجة اعمال التحديد والتحرير وكان بامكان المدعية لو ان السند في يدها أو ان البيع صحيح أن تسجله لاسمها والحكم المطعون فيه لم يلحظ ذلك.3 – الحكم الاستئنافي الأول اقتنع بأن العقد هو وصية مضافة إلى ما بعد الموت ولكن محكمة النقض رأت عكس ذلك واعتبرت أن الشرط الثاني لتطبيق أحكام المادة 878 مدني غير متوفر بمقولة أنه بامكان المتصرف إليه أن ينتزع الحيازة والطاعن يأخذ عن ذلك أمرين:أولاً – ما ذهبت إليه محكمة الاستئناف من مسائل الموضوع التي تستقل بها محكمة الأساس دون ما معقب على ذلك من محكمة النقض كمحكمة قانون.ثانياً – ما كان بامكان المدعية أن تنتزع حيازة العقار من مورثها إذا لم يرغب هو بالتخلي لها عنها ما لم تقم ابتداء بتسجيل العقار لاسمها بالسجل العقاري مادامت المادة 11 من القرار 188 لا تجيز الاعتداد بالعقود العرفية ولا بالعقود الرسمية في مواجهة قيود السجل العقاري والمدعية لم تدعي بتسجيل البيع ولم تطالب بحيازة العقار والحكم المطعون فيه أعرض عن كل ما جاء في الحكم الاستئنافي السابق آخذاً بتشطير ما جاء عليه حكم النقض مهملاً الشطر الآخر وهو – وهذا لا يحول دون اثبات المطعون ضده عكس ما ورد بالعقد من أن ينطوي على وجهه وفق القواعد العامة ـ.4 – أوضح الطاعن في مذكرته المؤرخة 27 / 8 / 1981 الأسباب والموجبات والمؤيدات من الشواهد والقرائن على أن العقد الذي صيغ بيعاً هو في الحقيقة وصية مضافة لما بعد الموت واستشهد بالعديد من الاراء الفقهية والأحكام القضائية وبدلاً من أن تأخذ المحكمة مصدرة الحكم المطعون فيه بما جاء في تلك المذكرة أو ترد عليه الرد السائغ اغفلت هذا وذاك وانطلقت من أحد المبدئين اللذين جاء على ذكرهما حكم النقض وأغفلت الآخر كلياً مما يشوب حكمها بالقصور.5 – اعتبار الحكم المطعون فيه ما دفع به الطاعن لا يشكل دليلاً كافياً على أن العقد وصية لا بيعاً ملزم بالاستيضاح عما إذا كان لدى الطاعن أدلة أخرى أو أنه يرغب بتوجيه اليمين الحاسمة مما يعرضه للنقض.6 – ما ذهب إليه الحكم المطعون فيه من أن المورث سلط يد المدعية على المبيع وخولها حق التصرف المالك بملكه لا يستقيم مع الواقع.7 – إن المورث الذي أراد حرمان الطاعن من نصيبه الشرعي في ارثه ذهب إلى كاتب الفرائض علي وطلب إليه تحرير سند برغبته فأبلغه بأنه لا بد من أن يكون بيعاً وحرر له السند مما لا بد أن يذكر فيه موجبات هذا البيع والتزام البائع بالفراغ وبالتصرف والتسليم فأخذ الحكم المطعون فيه بهذا الظاهر ولم يسجل الغاية التي حرر من أجلها السند وهو كون العقد وصية ولم يلتفت إلى الأدلة والشواهد والقرائن التي توافرت والتي أخذ بها الحكم السابق واعتمدها وقضى بالاستناد إليها بأن العقد وصية مادامت القرائن تكفي لاثبات ما يدعيه الطاعن المعفى من تقديم الدليل الكتابي فكيف وقد جاءت شهادات شهود المدعية بالذات تؤكد هذه الحقيقة كشهادة أسعد الذي نقل على لسان المورث قوله – بدي أعطي هالبيت لها البنت – هذا القول الواضح الصريح يدحض ما جاء في السند الذي صيغ بيعاً وذكر فيه قبض الثمن ولكن البائع أو الموصي بالأصح ظل شاغلاً ومؤجراً ومنتفعاً وحائزاً للعقار حتى وفاته. وعدم تعرض الحكم لهذه القرائن والشواهد والأدلة أخذاً بها أو رداً عليها يشوبه بالقصور ويخالف القانون ويوجب نقضه.في الرد على أسباب الطعن:من حيث أن دعوى المدعية – المطعون ضدها – تقوم على طلب الحكم بالزام المدعى عليه – الطاعن بتسجيل العقار الموصوف بالمحضر رقم 76 من منطقة الشيخ علي العقارية في السلمية على اسمها في السجل العقاري تأسيساً على شرائه من والدها مورث الطرفين بموجب العقدين المؤرخين 1 / 3 / 1951 و 21 / 3 / 1969.ومن حيث أن محكمة الدرجة الأولى قضت للمدعية وفق دعواها غير أن محكمة الاستئناف في حكمها الاستئنافي الأول قررت فسخ الحكم البدائي ورد دعوى المدعية على اعتبار أن بقاء العقار مسجلاً على اسم المؤرث في السجل العقاري واحتفاظه بحيازته والانتفاع به حتى وفاته وثبوت عدم تصرف المدعية به يجعل البيع المدعى به تصرفاً مضافاً إلى ما بعد الموت وتسري عليه أحكام الوصية.ومن حيث أن المدعية طعنت أمام هذه المحكمة بالحكم الاستئنافي إياه فقضت المحكمة المذكورة بنقض الحكم المطعون فيه بتسبيب خلاصته إلى أن القرينة التي تضمنتها المادة 878 مدني لا تتحقق إلا باجتماع شرطين أولهما احتفاظ المتصرف بحيازة العين المتصرف فيها وثانيهما احتفاظه بحقه في الانتفاع بها على أن يكون الاحتفاظ بالأمرين مدى الحياة وان المقصود الاحتفاظ بالحق وفق المادة المذكورة ان يكون مستنداً إلى حق ثابت لا يستطيع المتصرف إليه تجريده منه أي أن لا يكون موكولاً إلى مشيئة المتصرف إليه يستطيع أن ينتزع الانتفاع أو الحيازة من يد المتصرف متى أراد.وحيث انه إذا كان تسجيل العقار باسم المتصرف إليه هو الذي ينقل الحيازة القانونية إلا أن امكان نقلها بالاستناد إلى عقد بيع أو وكالة غير قابلة للعزل لتعلق حق الوكيل أو الغير بها يمكن المتصرف إليه انتزاع هذه الحيازة وبالتالي فإن شرط احتفاظ المتصرف بحيازة العين المتصرف فيها غير متوفر.وحيث أن بقاء العقار مسجلاً على اسم المورث في السجل العقاري وان كان من شأنه أن يبقي الحيازة بركنها القانوني لصاحب التسجيل إلا أن ذلك لا يحرم امكانية المتصرف إليه من تجريد المتصرف من هذه الحيازة فيما يتعلق بعدم تنفيذ الاتفاق الجاري بين الطاعنة وبين مورثها وهذا لا يحول دون اثبات المطعون ضده عكس ما ورد بالعقد من أنه ينطوي على وصية وفق القواعد العامة.ومن حيث أنه بتحديد الدعوى أمام محكمة الاستئناف – بعد النقض – قضت هذه المحكمة بتصديق الحكم البدائي فطعن المدعى عليه يطلب النقض للاسباب الموضحة فيما سلف. ومن حيث ان المحكمة مصدرة الحكم المطعون فيه اتبعت النقض وعملت بمقتضاه واستبان لها من العقدين – مستند المدعية في ادعائها – ومن أقوال الشهود أن البيع المدعى به وقع منجزاً.ومن حيث أن ملف الدعوى يخلو مما يشير إلى أن تصرف المورث يخفي وصية وان الطاعن لم يتصدى لاثبات ذلك.ومن حيث أن ما أثاره الطاعن في لائحة طعنه لا يعدو مجادلة محكمة الموضوع في قناعتها المستمدة من الادلة التي اطمأنت إليها بما مؤداه حقيقة البيع على الوجه الذي اتت على ذكره وأوردت على ثبوته أدلة سائغة تؤدي إلى ما انتهت إليه مما يجعل ما أثاره الطاعن في شأن تقدير الدليل لا يقبل أمام محكمة النقض بحسبان أن من حق القاضي أن يستخلص من العناصر المطروحة أمامه على بساط البحث الصورة الحقيقية لواقعة الدعوى حسبما يؤدي إليه اقتناعه وان يطرح ما يخالفها من صور أخرى مادام استخلاصه سائغاً ومستنداً إلى ادلة مقبولة ولها أصلها في الدعوى نقض 1028 لعام 1985.وحيث أنه من المقرر أن خروج العقار من ملكية المورث حال حياته لسبب من أسباب التصرفات القانونية يجعل لا حق للورثة ولا سبيل لهم إليه ولو كان المورث قصد حرمانهم أو انقاص أنصبتهم ما لم تكن تصرفات المورث مشوبة بعيب من عيوب الإرادة ولا يعيب تصرف المالك وقد خرج العقار من ملكه حال حياته لسبب من اسباب التصرفات القانونية عدم تحديد بدل ذلك العقار ولا عدم دفع المتصرف له البدل بحسبان أن لمالك العقار أن يهبه لمن يشاء نقض 1308 لعام 1984.ومن حيث أن بقاء العقار مسجلاً على اسم المورث في السجل العقاري لئن كان أبقى الحيازة بركنها القانوني للمتصرف صاحب التسجيل إلا أن امكانية المتصرف إليه – المدعية – تجريد المتصرف من هذه الحيازة القانونية وانتزاعها بنص المادة 11 من القرار 188 عن طريق المداعاة بتنفيذ عقد البيع يجعل شرط احتفاظ المتصرف بحيازة العقارات المتصرف بها حيازة قانونية غير متوفرة في هذه الحالة على ما هو عليه قضاء محكمة النقض – قرار 23 لعام 1980 وقرار 1690 لعام 1980 و 119 لعام 1985.وحيث أن تصرف المورث لأحد الورثة مع احتفاظه بحق الانتفاع بالعقار مدى الحياة يعتبر من قبيل البيع المنجز ولا يخضع لأحكام الوصية – قرار هيئة عامة رقم 6 لعام 1966.وحيث أن ثبوت الاحتفاظ بحق الانتفاع لا يؤثر على الدعوى وان التصرف المنجز الذي يجريه المورث حال حياته دون أن يكون مشوباً بعيب من عيوب الإرادة يعتبر تصرفاً صحيحاً ملزماً للورثة الذي يتعلق حقهم في مثل هذه الحال بما تركه الميت من أموال – نقض 1304 لعام 1984.ومن حيث يتحتم على المحكمة التي تحال إليها الدعوى أن تتبع حكم النقض (مادة 262 أصول) كما أنه يتحتم على محكمة الموضوع اتباع النقض ويتوجب على الغرفة في محكمة النقض مراعاة حجية حكم النقض ولو تعارض مع الاجتهاد (نقض 938 لعام 1981 و 689 لعام 1981).ومن حيث أن القانون أوجب على الخصوم تقديم جميع دفوعهم وطلباتهم دفعة واحدة من تلقاء أنفسهم (المادة 144 أصول) دون حاجة إلى تكليفهم بذلك من المحكمة لأنها ليست ملزمة بالتحري عن أدلتهم ومستندات دفوعهم أو سؤالهم عنها وطلب تقديمها لأن ذلك ملقى على عاتقهم جرياً على ما استقر عليه اجتهاد محكمة النقض.ومن حيث أنه على ضوء ما سلف تغدو أسباب الطعن غير نائلة من سلامة الحكم المطعون فيه. لهذه الاسباب حكمت المحكمة بالاجماع رفض الطعن.