إذا تولّى شخصٌ التحقيق في وقائع الدعوى أو جمع أدلتها ثم شارك في الهيئة التي تفصل فيها، فإن ذلك يُعدّ إخلالاً بمبدأ الحياد وسبباً للبطلان، ولو لم يرد نصّ خاص يمنع ذلك في القانون المنظّم لتلك الجهة.
من الواجب الفصل بين سلطتي التحقيق والحكم وذلك الحكمة مفادها الخوف من عدم توفر الحياد في تصرفات القاضي إذا كان هو الذي يجمع الأدلة وهو الذي يدرسها ويقرر مصير الدعوى لأنه قد يتحيز لتصرفاته وآرائه السابقة خشية من تسفيه نفسه فيمعن في التمسك بالرأي الأول الذي كونه لنفسه المناقشة: في الموضوع :تتلخص وقائع الدعوى في أنه ورد إلى رئاسة الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش اخبارات مغفلة من التوقيع تتضمن فيام الطاعن المفتش السيد محمد ((.) القائم برئاسة فرع الهيئة في حماة ببعض التصرفات غير القانونية فكلف المجلس الأعلى للهيئة السيدين عبد (.) رئيس فرع حلب عزيز (.) رئيس فرع حمص للتحقيق في الأمور المنسوبة للمفتش المذكور وبعد إنجاز التحقيق وضع المفتشان المذكوران تقريرهما المؤرخ 11 /6 /1983 ورفعاه لرئاسة الهيئة وبالاستناد لهذا التقرير وبناء على اقتراح رئيس الهيئة أصدر السيد رئيس مجلس الوزراء قراراً بإحالة الطاعن إلى المجلس الأعلى للهيئة بوصفه المجلس التأديبي للعاملين في الهيئة لمحاكمته عن الأمور المنسوبة إليه . تلك المهمة خارج نطاق صلاحية الفرع والقيام بمهمات إلى مصياف وحمص ودمشق دون أن تكون هناك أسباب حقيقية للقيام بهذه المهمات أو أعمال تقتضي هذا الانتقال . وحيث أنه في حال صحة هذه الأمور فإنها تشكل في آن واحد إخلالاً بواجبات الوظيفة ومخالفة القوانين والأنظمة وكل من هاتين الحالتين نحيز الإحالة إلى المجلس الأعلى للهيئة المركزية للرقابة والتفتيش كسلطة تأديبية . وعليه فإن قرار السيد رئيس مجلس الوزراء بإحالة الطاعن إلى المجلس الأعلى للهيئة يتفق وأحكام القانون ويغدو السبب الأول من أسباب الطعن في غير محله . وحيث أن المفتش السيد عزيز (.) كان أحد المفتشين اللذين حققا مع الطاعن ووضعا تقرير التفتيش الذي أحيل لطاعن موجبه إلى المجلس الأعلى للهيئة كمرجع تأديبي . وحيث انه من المتفق عليه فقهاً واجتهاداً الفصل بين سلطتي التحقيق والحكم وذلك لحكمة مفادها الخوف من عدم توفر الحياد في تصرفات القاضي إذا كان هو الذي يجمع الأدلة وهو الذي يدرسها ويقرر مصير الدعوى لأنه قد يتحيز لتصرفاته وآرائه السابقة خشية من تسفيه نفسه فيمعن في التمسك بالرأي الأول الذي كونه لنفسه . وتأكيداً هذا المبدأ فقد نص قانون أصول المحاكمات الجزائية في المادة /56/ منه على أنه لا يجوز للقاضي أن يحكم في الدعوى التي حقق فيها . وكذلك المادة /116 / من قانون السلطة القضائية رقم /98/ لعام 1961 التي تنص في فقرتها الثانية أن القاضي الذي يعينه رئيس محكمة النقض للقيام بوظيفة قاضي التحقيق في الدعاوي التي تقام على القضاة أمام الهيئة العامة لمحكمة النقض لا يشترك في المحاكمة . وحيث أنه وإن لم يكن في قانون الهيئة رقم /24/ لعام 1981 المذكور آنفاً نص يمنع المفتش من الاشتراك في المجلس الأعلى لمحاكمة المحال إليه بالاستناد للتحقيق الذي أجراه المفتش المذكور إلا أن العلة التي تمنع قاضي التحقيق من الحكم في الدعاوي التي حقق فيها وهي التي تمنع المفتش من الاشتراك في المجلس الأعلى للهيئة في محاكمة المحال الذي تولى التحقيق معه . وعليه فإن اشتراك السيد عزيز حديد في محاكمة الطاعن وإصدار القرار المطعون فيه يخالف المبدأ المشار إليه ويشكل خللاً في إجراءات تشكيل المجلس الأعلى للهيئة يمتد إلى القرار الصادر عنها بهذا الخصوص ويضمه بالبطلان . وبالتالي فإن السبب الثالث من أسباب الطعن ينال من القرار المطعون فيه .ومن حيث أن نقض القرار المذكور لهذا السبب يغني عن بحث السببين الآخرين حيث يتاح للطاعن إثارتهما مجدداً أمام المجلس الأعلى للهيئة . لهذا تقرر بالاتفاق :1 – نقض قرار المجلس الأعلى للهيئة المركزية للرقابة والتفتيش رقم (40/م/أ) وتاريخ 1984/10/8 المطعون فيه وإبطاله.