الإكراه الموجب لإبطال التصرف يفترض تهديداً بخطر جسيم محدق يفسد الإرادة ويحمل المتعاقد على التعاقد تحت ضغط الرهبة، مع وجوب مراعاة شخصية المكره وظروفه في تقدير جسامة الإكراه.
إن الغاية من استعمال وسيلة الإكراه هي إحداث رهبة في نفس المكره. ويجب أن تكون الرهبة التي بعثها في نفس المتعاقد المكره التهديد بخطر جسيم محدق في الجسم أو النفس أو الشرف أو المال يجب أن يوقع المكره العقد تحت سلطان هذه الرهبة. وأن تكون هي التي حملته على التعاقد ودفعته إليه دفعاً # ينظر إلى حالة المتعاقد الشخصية للتعرف إلى أي حد يتأثر بالرهبة والخوف. ويدخل في الاعتبار كل العوامل التي يكون من شانها تكييف نفسيته من جنس وسن وحالة اجتماعية وصحية وكل ما من شأنه أن يؤثر في جسامة الإكراه. المناقشة: أسباب الطعن:1) – المحكمة غير مختصة كمياً برؤية الدعوى لأن القيمة المالية للأسهم المدعى بها تبلغ /4800/ ل.س وهذا الدفع من النظام العام ويجوز إثارته في كافة مراحل الدعوى وعلى المحكمة أن تأخذ به تلقائياً عملاً بالمادة 146 أصول. 2) – السهام المدعى بها تحولت إلى دار غير مفروزة مما لا يجوز سماع الدعوى إلا بعد الإفراز وإعطاء رقم محضر مستقل بها وهذا الدفع من النظام العام يجوز التمسك به في أي وقت وعلى المحكمة أن تأخذ به من تلقاء نفسها. 3) – لم تقرر المحكمة الرجوع عن الفقرة الأولى من القرار الإعدادي المؤرخ 24/1/1983 لجهة تكليف المستأنفة خديجة إثبات وقوع الإكراه عليها وأنها نتيجة هذا الإكراه وقعت لها الصك المؤرخ 12/4/1981 مع أنه كان يترتب على المحكمة أن تقرر الرجوع عن هذا الإقرار وعدم إجازة المستأنفة أو أحد ورثتها بان يثبتا بالشهود ما يخالف ما اشتمل عليه الصك الرسمي المؤرخ في 12/4/1981 للأسباب التالية: 1 – لأن تعهد الطاعنة المزعوم بإعالة والدتها والإنفاق عليها الذي سمت المرحومة خديجة إكراها، ليس واقعة مادية يجوز لها إثباته بالشهادة وإنما واقعة تعاقدية مزعومة يجب إثباتها خطياً. 2 – لأن الصك الرسمي غير القابل للعزل هو من الأسناد الرسمية لا يتصور وقوع إكراه فيه عملاً بالمادة /6/ بينات. 3 – لتعلق حق الطاعنة وفق المادة /681/ مدني مما لا يجوز الادعاء بوجود إكراه مزعوم في الصك. 4 – لأن الطاعنة اشترت بموجب الصك الرسمي شراء باتاً أسهم المدعية وغير مشروط بأي شرط ولقاء بدل قبضته من الطاعنة. 5 – لأن المستأنفة خديجة وأحد ورثتها المطعون ضده عجزا عن إثبات الإكراه لأن شهودهما المستمعين لم يتكلموا عن أي إكراه وأكدوا عدم حضورهم مجلس الصك الرسمي بينما أكد شاهدا الطاعنة بأنه لا يوجد أي إكراه مزعوم وان المستأنفة أقرت أمامهما بقبضها الثمن من الطاعنة. 6 – لأنه لم يعد وجود للمانع الأدبي لانهياره باعتيادهما توثيق التزامات كل منهما تجاه الآخر بالوثائق الخطية. 7 – لأنه لا صحة لمزاعم المدعية بأنها كانت مريضة وأنها وقعت الصك بالإكراه لأن الكاتب بالعدل نفى الإكراه المزعوم بتوثيقه الصك بالعبارة المذيلة في ذيله. 4) – الحكم المطعون فيه مستوجب النقض لاعتماده الوثيقتين المزعومتين المؤرختين 20/4/1981 المبرزتين من المدعية بجلسة 31/5/1982 مع أنه كان يترتب على المحكمة طرحهما لأن الطاعنة أنكرت صدور الوثيقة المزعومة رقم /1/ عنها ولأنه لا علاقة للوثيقة رقم 2 بالصك المؤرخ في 12/4/1981 الذي أثبت شراء الطاعنة بدل دفعته إلى المستأنفة. 5) – الحكم المطعون فيه يستوجب النقض لأنه لم يقرر رد استئناف المرحومة خديجة ورد كافة دفوعها ودفوع أحد ورثتها المطعون ضده صبري وإلزامه بالرسوم والمصاريف والأتعاب. في الرد على أسباب الطعن: من حيث أن دعوى المدعية خديجة كحيل تقوم على طلب الحكم بإبطال صك التوكيل الخاص الموثق من الكاتب بالعدل برقم 145 وسجل 843 تاريخ 12/4/1981 الذي أصدرته للمدعى عليها – الطاعنة – والمتضمن بيعها لها حصتها من العقار /2776/ من المنطقة العقارية التاسعة بحلب البالغة /23.716/ سهماً. لعلة اتفاقهما على أن تكون الدار ملكاً للمدعية وبعد وفاتها تعود للمدعى عليها إلا أنها وقعتها على الصك المذكور على أنه بيع مستغلة مرضها وعدم وعيها. ومن حيث أن وكيل الجهة المدعية بمذكرته المؤرخة 30/9/1981 أوضح أن موكلته وهبت السهام من العقار موضوع الدعوى إلى المدعى عليها بدون مقابل وبشرط أن يبقى لها حق الانتفاع مدى الحياة وان تتعهد الابنة المدعى عليها بإعالتها وأنه بعد حصولها على الوكالة عمدت إلى طرد والدتها والإساءة في معاملتها، وخلص إلى طلب إقرار رجوع المدعية عن الهبة والحكم بإبطال سند التوكيل المشار إليه. ومن حيث أن محكمة الدرجة الأولى قضت برد الدعوى تأسيساً على عدم جواز الرجوع في الهبة لعامل القرابة المحرمية عملاً بأحكام الفقرة /هـ/ من المادة /470/ مدني. ومن حيث أن المدعية استأنفت قرار الحكم البدائي طالبة فسخه بداعي أن سند البيع المطلوب إبطاله صدر عنها بعد تهديدها من ابنتها المدعى عليها بتركها وحيدة فريسة المرض الذي أصابها وبأنها ستنصرف عن الاهتمام بها وتنقطع عن زيارتها، وأنها إذا استجابت لطلبها فهي على استعداد للإنفاق عليها طيلة حياتها، ونتيجة هذا الضغط الأدبي والإكراه المعنوي من ابنتها نظمت لها الوكالة. ومن حيث أن المطعون فيه قضى بفسخ الحكم البدائي وبإبطال سند التوكيل موضوع الدعوى للإكراه الواقع على موقعته. ومن حيث أن المدعى عليها طعنت بهذا القرار طالبة نقضه للأسباب المبينة فيما سلف. ومن حيث أنه بمقتضى أحكام المادة /52/ أصول يعين المدعي قيمة الدعوى المتعلقة بالعقار وعند الاعتراض يصار إلى تحديدها بالاستناد إلى قيمته المقدرة لها في دائرة المالية وعند عدم وجودها يتم تحديد القيمة عن طريق الخبرة، ويجب الاعتراض على القيمة في معرض تعيين الاختصاص قبل التعرض للموضوع. ومن حيث يستخلص مما سلف أن العبرة في تقدير قيمة الدعوى العقارية هو لما يصرح به المدعي إذا لم يقع اعتراض من الخصم على هذا التقدير، وأن لا أثر للاعتراض إذا لم يقع قبل التعرض للموضوع تحت طائلة سقوط الحق به. ومن حيث أن المدعية أقامت الدعوى أمام محكمة البداية مما يعني ضمناً أنها صاحبة الاختصاص للنظر في هذه الدعوى. ومن حيث أن الطاعنة لم تعترض على الاختصاص قبل تعرضها للموضوع فلا وجه معه للتمسك بأحكام المادة 146 أصول لأن المادة 52 السالفة الذكر هي التي تحكم قواعد الاختصاص القيمي بالنسبة للدعاوى العقارية مما يستدعي رفض السبب الأول من أسباب الطعن. ومن حيث أنه ليس في ملف الدعوى ما يفيد استحالة إفراز السهام من العقار مثار النزاع، كما انه ليس ما يمنع من تملك تلك السهام على الشيوع مما يستدعي رفض السبب الثاني من أسباب الطعن. ومن حيث أن الغاية من استعمال وسيلة الإكراه هي إحداث رهبة في نفس المكره، ويجب أن تكون الرهبة التي بعثها في نفس المتعاقد المكره التهديد بخطر جسيم محدق في الجسم أو النفس أو الشرف أو المال، رهبة قد ضغطت على إرادته ضغطاً شديداً بحيث أصبح مسلوب الحرية لا اختيار له فيما أراد فيوقع العقد تحت سلطانها وان هذه الرهبة هي التي حملته على التعاقد ودفعته إليه دفعاً، وإذن فإن الواجب النظر إلى حالة المتعاقد الشخصية للتعرف إلى أي حد هو يتأثر بالرهبة والخوف، ويدخل في الاعتبار كل العوامل التي يكون من شأنها تكييف نفسيته من جنس وسن وحالة اجتماعية وحالة صحية وكل طرف آخر شأنه أن يؤثر في جسامة الإكراه وفقاً لنص الفقرة /3/ من المادة 128 مدني، وهذا ما استقر عليه اجتهاد هذه المحكمة (قرار نقض 430 لعام 1976 و 1956 لعام 1976 و 59 لعام 1987). يراعى في تقدير الإكراه جنس من وقع عليه هذا الإكراه وسنه وحالته الاجتماعية والصحية وكل ظرف آخر من شأنه أن يؤثر في جسامة الإكراه. فيجب أن تكون الرهبة التي يبعثها في نفس المتعاقد المكره التهديد بخطر جسيم محدق في النفس أو الجسم أو الشرف أو المال رهبة قد ضغطت على إرادته بحيث أصبح مسلوب الحرية لا اختيار له فيما أراد. وان هذه الرهبة هي التي حملته على التعاقد ودفعته إليه دفعاً. فالرهبة إذن يجب أن تكون قد أفسدت إرادته. ومن هنا فمن الواجب إذن النظر إلى حالة المتعاقد الشخصية للتعرف إلى أي حد هو يتأثر بالرهبة والخوف ويدخل في الاعتبار كل العوامل التي يكون من شأنها تكييف نفسيته من جنس وسن وحالة اجتماعية وصحية وكل ظرف آخر من شأنه أن يؤثر في جسامة الإكراه. ويجب أيضا الاعتداد إلى جانب الحالة الشخصية بالظروف والملابسات. ومعرفة ما إذا كانت الرهبة هي التي دفعت فعلاً إلى التعاقد مسألة دفع لا رقابة به لمحكمة النقض عليها. أما تقدير العوامل ووجوب الاعتداد بها فهو من مسائل القانون التي تعقب عليها محكمة النقض (الوسيط للسنهوري – ). ومن حيث أنه ليس في ملف الدعوى ما يفيد تهديد مؤرثه المطعون ضده بخطر جسيم محدق في الجسم أو النفس أو الشرف أو المال بعثته الطاعنة فيها بشكل حملها على التعاقد. ومن حيث أنه على فرض أن استغلال الطاعنة لمرض والدتها ووعدها لها بالإشراف عليها والعناية بها ليس من شأنه وضع المتصرفة بخطر جسيم محدق كما أنه لا يستشف من الوثيقتين التي تعلقت إحداهما بإقرار الطاعنة لوالدتها بحق الانتفاع بالعقار مدى الحياة وبإقرارها أيضاً بمديونيتها لها بمبلغ خمسة آلاف ليرة سورية، بعث الرهبة والخوف في نفس الوالدة بشكل حملها على إجراء التصرف، مما يجعل ألا وجه لتغرير الإكراه مرتكزاً للحكم في الدعوى وبالتالي يغدو ما ذهبت إليه محكمة الموضوع في حكمها المطعون فيه مغايراً للأسس والمعايير التي رسمتها أحكام النقض المومأ إليها فيما سلف في توفر حالات الإكراه الأمر الذي يستدعي نقض الحكم المطعون فيه. لهذه الأسباب حكمت المحكمة بالإجماع نقض الحكم المطعون فيه لما سلف بيانه ورفضه فيما وراء ذلك.