المعيار الحاكم في دعوى مخاصمة القضاة هو أنها دعوى مسؤولية تقصيرية تعويضية عن خطأ مهني جسيم، فتسري عليها مدة التقادم الخاصة بدعوى التعويض عن العمل غير المشروع، ويؤدي انقضاء هذه المدة إلى رد الدعوى شكلاً.
إن طبيعة دعوى المخاصمة هل هي طريق طعن غير مباشر أم أنها دعوى تعويض. المناقشة: النظر في الدعوى:إن الهيئة الحاكمة بعد اطلاعها على استدعاء دعوى المخاصمة وعلى القرار موضوع المخاصمة وعلى مطالبة النيابة العامة وعلى كافة أوراق القضية وبعد المداولة أصدرت الحكم الآتي:أسباب المخاصمة:1 – الدعوى الواحدة لا تسمع مرتين، وعدم سماع الدعوى لسبق الفصل فيها يغني عن بحث أي موضوع يتعلق بها.2 – الخصم في الدعوى تردد في موقفه وحاول تجزئة الموضوع فهو يتمسك بحكم النقض السابق من جهة ويقول في ذات الوقت أن موضوع الدعوى الجديدة مختلف. وقد كان على المحكمة أن لا تتمسك بحجية النقض السابق وألا تعتمده في إصدار حكمها.وكان عليها أن تبحث أسباب طعن الجهة الطاعنة حول وجود التعاقد الجديد.3 – قضى الحكم المشكو منه برفض الطعن بشأن الفقرة الحكمية الثانية من الحكم الاستئنافي التي قضت بإلزام المدعي بالمخاصمة مع أخويه بدفع مبلغ 19811.35 ليرة لبنانية أو ما يعادلها بالعملة السورية يوم الدفع على أن يحق لهم محاسبة الجهة المستأنف عليها متى شاؤوا عند حصولهم على المستند الرسمي بأن المستأنف قد قبض هذا المبلغ فعلاً.إن هذه الفقرة ليست حكماً لأن الحكم يفصل في النزاع ويحسم الخلاف، مما يصم ما ذهب إليه القضاة المخاصمون بالخطأ الفاضح الجسيم.4 – الدعوى من اختصاص القضاء اللبناني لأن محل الدعوى واقع في البوشرية قضاء المتن في الجمهورية اللبنانية، وقد تجاوز السادة القضاة المخاصمون هذا الأمر الهام، مما يشكل خطأ مهنياً جسيماً قائماً بذاته.دفوع الجهة المدعى عليها:1 – الدعوى ساقطة لعدم جواز سماعها لمرور أكثر من ثمانية سنوات على علم المدعي بالدعوى موضوع المخاصمة، وإننا نبرز وثيقة صادرة عن دائرة الإجراء في لبنان المصدقة استئنافاً وتمييزاً… تثبت تبليغه وعلمه منذ عام 1981.2 – سقوط حق الإدعاء ثابت بنص القانون والاجتهاد مما تكون معه الدعوى مردودة شكلاً وموضوعاً.القضاء والقانون:لما كان الرأي مختلفاً حول تحديد طبيعة دعوى (مخاصمة القضاة) فذهب البعض إلى اعتبارها طريق طعن غير مباشر في الحكم على اعتبار أنه يترتب على الحكم بصحة المخاصمة بطلان الحكم، وهذا ما أخذ به القانون الفرنسي، وقد ذهب البعض الآخر إلى القول بأنها دعوى تعويض موجهة إلى القاضي الذي يسأل عن عمله باعتبار أن هذا العمل أحدث ضرراً بالغير ويكون إبطال الحكم نتيجة لعدم مشروعية عمل القاضي، فموضوعها هو طلب التعويض وليس موضوعها طلب بطلان لحكم، وهذا ما أشارت إليه مناقشات لجنة الشيوخ المصري في معرض تقنين قانون المرافعات.(قواعد المرافعات للعشماوي و172).ولما كانت دعوى مخاصمة القضاة إنما تجد أصلها في قواعد المسؤولية التقصيرية عن الضرر الناشئ عن العمل غير المشروع، على اعتبار أن بحث التعويض عن الخطأ إنما ورد في الفصل الثالث من الباب الأول من القانون المدني تحت عنوان (العمل غير المشروع).ولما كانت دعوى التعويض عن العمل غير المشروع، إنما تسقط بانقضاء ثلاث سنوات من اليوم الذي علم فيه المضرور بحدوث الضرر وبالشخص المسؤول عنه بمقتضى المادة 173 من القانون المدني.ولما كان قد تبين من ملف الدعوى أن قرار محكمة النقض موضوع المخاصمة صدر بتاريخ 14/11/1982 وأن الجهة طالبة المخاصمة قد تبلغته بتاريخ 30/4/1983 بواسطة وكيلها المحامي انطوان كما هو ثابت من الحكم اللبناني الصادر بتاريخ 27/12/1984 والمبرز صورة طبق الأصل عنه.ولما كانت دعوى المخاصمة هذه إنما أقيمت بتاريخ 11/11/1991 فتكون إقامتها بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على علم المضرور بالحكم موضوع المخاصمة مما يجعلها ساقطة بالتقادم، وهذا ما ذهب إليه الاجتهاد القضائي في سورية في القرار رقم 52 الصادر عن الهيئة العامة بتاريخ 20/11/1972 وكذلك القرار رقم 1/1992 الصادر عن هذه الهيئة بتاريخ 5/2/1992.لذلك ووفقاً لمطالبة النيابة العامة.تقرر بالاتفاق:1 – رد دعوى المخاصمة شكلاً.2 – تغريم الجهة المدعية مبلغ ألف ليرة سورية. 3 – تضمينها الرسوم والمصاريف ومصادرة بدل التأمين وحسمه من الرغامة.