لا تقوم القوة القاهرة ما لم تكن غير متوقعة وغير قابلة للدفع في آنٍ واحد، ولا يكفي الالتزام بالحد الأدنى من احتياطات القوانين والأنظمة لإعفاء السائق من المسؤولية إذا كان ملزماً باتخاذ احتياطات إضافية تفرضها طبيعة العمل وصيانة الجمهور. كما أن الذعر الناتج عن فعل الفاعل لا يعفيه من المسؤولية عن النتائج...
ان الذعر الذي يصيب المغدور لايعفي الفاعل من تحمل المسؤولية الحادث اذا كان هذا الأخير هو الذي اورث الذعر المشار اليه فإذا قذف راكب بنفسه لتلافي الخطر الذي توهمه فإن لايرتكب خطأ اذا فوجئ بترنح السيارة بشكل مباغت أوقع الذعر في نفسه يشترط في القوة القاهرة ان تكون غير ممكنة التوقع وقت الحادث من جانب أشد الناس يقظة وبصرا بالأمور وأن تكون مستحيلة الدفع ولو أمكن توقعها إن الاحتياطات التي تفرضها القوانين والأنظمة هي الحد الادنى للوقاية المطلوبة والقيام بها من قبل السائق لا يكفي وحده لاعفاء صاحبها من كل مسؤولية متى ثبت تقصيره في القيام باحتياطات اخرى تدعو إليها طبيعة العمل وتستلزمها صيانة الجمهور المناقشة: بتاريخ ٢٤ ايار ١٩٥٨ تقدم الاستاذ رمزي العظم الوكيل عن ورثة المرحوم محمود زهير. وهما عارف وشفيقة ناظيف باستدعاء الى المحكمة الابتدائية بحمص يقول فيه انه مساء ١٩٥٧/٨/٣٠ ركب مورث الموكلين المرحوم الملازم الاول محمود زهير . من دمشق سيارة المدعى عليه رشيد يوسف ۰۰۰۰ والتي كان يقودها المدعى عليه شاكر بن عزيز . من محلة الحميدية بحمص متوجها الى حمص حيث مركز عمله وكان يركب مع المرحوم سبعة ركاب آخرين وقبل وصول السيارة الى قرية حسية بثلاث كيلو مترات تقريبا ولسرعة السائق الجنونية وطيشه وتهوره وعدم حذره وعدم مراعاته لقوانين السير وانظمته ورغم خلو الطريق آنذاك المارة والسيارات وغيرها وانكشاف الطريق امامه فقد جنحت السيارة بهذه السرعة التي تزيد عن الثمانين كيلو مترا الى يسار الطريق وخرجت عنه وتدهورت بشكل فظيع أدى الى مقتل المرحوم مورث الموكلين بشكل فوري ، وحيث ان سائق السيارة قد اقيمت عليه دعوى جزائية اشترك بها الموكلون كمدعين شخصيين حيث ثبتت مسؤولية السائق شاكر بهذه الجريمة المسؤولية التامة وحكم من قبل القاضي الفرد العسكري بتاريخ ١٩٥٧/١٢/٢٩ برقم أساس ٢٤٧ بالحبس مدة ستة أشهر واكتسب الحكم الدرجة القطعية وحيث ان القضاء العسكري لا يملك حق الحكم بالأضرار الشخصية والدية فقد ترك أمر البت والحكم بها الى القضاء المدني لذلك يطلب دعوة المدعى عليهما المذكورين الى المحاكمة و من ثم الحكم عليهما بالتكافل والتضامن لدفع مبلغ خمسة وعشرين الف ليرة سورية دية واضرارا شخصية الى الموكلين مع المصاريف والرسوم والاتعاب . وفي نتيجة المحاكمة قرر القاضي الابتدائي بتاريخ ١٩٥٩/٦/٩ وتحت رقم ٦٠ ما يلي : 1. الزام شركة الاتحاد الوطني والمدعى عليهما رشيد يوسف. وشاكر عزيز ۰۰۰۰ بالتضامن لدفع مبلغ خمسة آلاف ليرة سورية للمدعين حسب اسهمهم وذلك ضمن حدود التأمين بالنسبة لشركة التأمين. 2. الزام المدعى عليهما رشيد وشاكر بالتضامن لدفع مبلغ ثلاثة آلاف ليرة سورية للمدعين حسب اسهمهم ، بحيث يصبح مجموع المبلغ ثمانية آلاف ليرة سورية . 3. تضمين المدعى عليهم الرسوم والمصاريف ومئة وخمسين ليرة سورية اتعاب محاماة 4. رد الدعوى لجهة الزيادة وتضمين المدعيين نصيبهما من رسم الرد. فاستأنف وكيل المدعى عليه رشيد هذا الحكم بموجب استدعائه المقيد في ١٩٥٦/٦/٢٣ كما استأنفه وكيل ممثل شركة الاتحاد الوطني بموجب استدعائه المقيد في ١٩٥٩/٦/٢٤ كما استأنفه المدعى عليه شاكر بنفس التاريخ . وبالمحاكمة الجارية علنا بحضور وكلاء الطرفين وبعد ان تقرر قبول الاستئنافين شكلا لتقديمهما ضمن المدة القانونية واستماع شهود الحادث، وكرر كل من الطرفين اقواله ختمت المحاكمة واتخذ القرار الآتي : القضاء : حيث ان الأسباب الاستئنافية تتلخص بما يلي : 1. ان قرار قاضي الفرد العسكري لم يكتسب حجية الشيء المحكوم به لأنه لم يصدق تمييزا فلا يجوز الاستناد اليه 2. ان المغدور هو الذي القى بنفسه من السيارة ، لذلك فان السائق غير مسؤول عن حادث وفاته 3. ان السائق عندما لحظ وجود بعض الحجارة على الطريق حاول تغيير اتجاهه، ولكن الدولاب الخلفي اصطدم بالحجارة وانفجر مما يدل على ان قوة قاهرة قد أدت إلى هذا الحادث 4. ان السائق كان يسير بسرعة ٧٠ كيلو مترا في الساعة وهذه السرعة هي المعدل القانوني المنصوص عنه في قانون السير مما ينفي عنه كل خطأ أو تقصير 5. ان تقدير التعويض على فرض وجود المسؤولية مبالغ فيه خلافا لما اعتادت ان تقدره المحاكم. في الرد على هذه الأسباب : فعن السبب الاول : حيث ان محكمة الاستئناف استجابت بجلسة ١٩٥٩/١٢/٦ الى الطرفين مما لم يعد ثمة مجال لإعادة بحث هذا السبب . وعن السبب الثاني : حيث ان الجهة المستأنفة ركزت كل دفاعها على ان المغدور هو الذي فتح باب السيارة والقى بنفسه منها بحجة انه لم يعثر على أحد غيره خارج السيارة بعد ان استقرت غب تدهورها ، وبحجة ان الباب الايمن هو الباب الوحيد الذي وجد مفتوحا بعد حادث التدهور، وتصور الحادث كما يلي : (. وحين أشرف السائق على الوصول الى قرية حسياء وعند الكيلو متر ٣٧ فوجئ السائق بثلاث أحجار كبيرة الحجم موجودة في منتصف الطريق المعبد والى اليمين ( قليلا ) ، فحاول الموكل أن يتجنب هذه الحجارة ، فانطف بسيارته نحو اليسار ثم انحرف بها نحو اليمين وعبرت الدواليب الأمامية النقطة الخطرة غير ان الدولاب الخلفي اصطدم بإحداها فانفجر وأحدث دويا أزعج ركاب السيارة من رقادهم الهنيء استيقظ المغدور من نومه ورأى السيارة تتخبط ذات اليمين وذات الشمال فتصور انها النهاية وساقه قدره الى ان يفتح الباب ليقذف بنفسه بغية النجاة ، غير ان وضع السيارة الضيق وممرها الصغير قد حال بينه وبين الخلاص، فخرج برأسه وجسده من الباب وتعثرت قدماه فارتطم رأسه. الخ ) . ( راجع المذكرة تاريخ ١٩٥٧/١٠/٢١ ) وحيث ان الجهة المستأنفة تفترض ان السيارة كانت تسير ليلا بسرعة ۸۰ كيلو مترا بالساعة وان السائق فوجئ بوجود الحجارة ، ومعناها انه لم ينتبه اليها في الوقت المناسب وانه أراد أن يتفاداها فلم يتمكن فاصطدم الدولاب الخلفي بها فانفجر وأراد السائق أن يتحكم بمقود السيارة فلم يستطع فصار يترنح ذات اليمين وذات الشمال ، ويفترض أيضا ان المكابح قد تعطلت وأنابيب الزيت قد انفجرت وان المغدور الذي كان بجانب الباب الايمن استيقظ من نومه الهنيء ورأى السيارة تتخبط ذات اليمين وذات اليسار فتصور بنفسه أنها النهاية ، ثم يطلب هذا الشخص أي المغدور وهو بهذه الحالة من الاضطراب النفسي أن يملك أعصابه وان يعرف انها نهايته طالما بقى بهذه السيارة التي سوف تقوده الى الابدية وان يبقى مسمرا في مقعده لا يحيد ، كل ذلك في سبيل تأكيد مسؤولية السائق ولكي لا يحرم ورثته من حق التعويض عن الحادث من بعده. ولما كان ذلك يخالف المنطق السليم ويخالف الواقع المألوف في امثال هذه الحالات التي لا يفكر فيها الانسان الا في تخليص نفسه بسرعة وبأي شكل كان ولو بإلقاء نفسه من الباب أو النافذة أو من أي مكان آخر يرى فيه نجاته كما يخالف ما استقر عليه الاجتهاد على فرض صحة ما افترضته الجهة المستأنفة، وذلك لأن الذعر الذي يصيب المغدور لا يعفي الفاعل من تحمل مسؤولية الطارئ اذا كان هذا الاخير هو الذي أورث الذعر المشار اليه فاذا قذف راكب بنفسه لتلافى الخطر فانه لا يرتكب خطأ اذا فوجئ بترنح السيارة بشكل مباغت . ) تمييز افرنسي صادر في ١٩٤٠/١/٢٢ منشور بالمجلة القضائية الصادر عام ١٩٥٦ ص ولما كان السائق هو الذي اورث الذعر في نفس المغدور مما دفعه الى القاء نفسه على فرض صحة ذلك – لينجو من الخطر المحدق به مما يوجب مسؤولية السائق مسؤولية كاملة ، وبالنتيجة رد هذا السبب. وحيث انه من جهة اخرى لم يقم أي دليل يؤيد ان المغدور هو الذي القى بنفسه من السيارة وكان عدم وجود غير المغدور خارج السيارة غب تدهورها رغم انه مخالف للواقع بدليل وجود الملازم نجاة ابن احمد جميل. خارج السيارة أيضا كما أفاد هذا الاخير بالصحيفة (۱) من التحقيق العسكري ، فهو لا يدل على ان المغدور هو الذي ألقى بنفسه منها ، كما ان فتح باب السيارة لا يحتاج الى يد المغدور ليفتحه وانما يحتمل فتحه بمجرد انقلابها على أرض محجرة ومنحدرة وليس من الضروري أن يؤدي هذا الانقلاب الى فتح بقية الابواب مما يوجب رد هذا السبب من هذه الجهة أيضا وعن السبب الثالث : حيث يشترط في القوة القاهرة ان تكون غير ممكنة التوقع وقت وقوع الحادث ذاته لا من جانب السائق المستأنف بل من جانب اشد الناس يقظة وبصرا بالامور لان عدم الامكان مطلق لا نسبي ، وان تكون مستحيلة الدفع ولو امكن توقعها ( راجع الوسيط الجزء الاول فقرة ٥٨٧ و ۵۸۸ و ۵۸۹ وحيث ان هذين الشرطين ، الواجب وجودهما معا ، لم يتوفر أي واحد منهما ، وذلك لأن تقرير الخبير أثبت ان الطريق كانت مكشوفة المسافة تزيد عن خمس كيلو مترات ومعبدة حديثا ومنحدرة قليلا باتجاه حمص وليس فيها منعطفات كما ان نور السيارة كاف بأن يكشف الحجارة عن مسافة تزيد عن ١٥٠ مترا وإن الحجارة كانت على جهة اليمين وتشغل من الطريق مقدار ۱۸۰ سم مع ان الطريق يبلغ عرضه ٥٥٠ سنتمتر عدا الجانب الترابي للطريق ، وان الدلائل كما استنتجها الخبير تدل بأن السائق فوجئ بالأحجار من مسافة قريبة جدا دون أن يكون منتبها اليها مما يجعله مخطئا وبالنتيجة مسؤولا عن تعويض ما احدثه خطوه من ضرر . وعن السبب الرابع : حيث على فرض صحة ما بينته الجهة المستأنفة من أن السائق كان يسير بسرعة متوسطة لا تزيد عن معدل سبعين كيلومترا في الساعة وفق ما نص عليه قانون السير مما يجعل السائق – حسب قولها غير تكب أي خطأ ما . الا انه لما كان لا يشترط لاعتبار القيام بعمل أو الامتناع عنه خطأ ، ان يقع هذا العمل خلافا لقانون أو نظام بل يكفي أن يكون الامتناع واقعا على عمل تستدعيه حماية الغير أو العكس بالعكس . وعلى ذلك يعتبر مخطئا ومسؤولا كل من أقدم على عمل ولم يتخذ له عدته من وسائل العناية والاهتمام والوقاية . خصوصا اذا كان العمل محفوفا بخطر يجب محاذرته واتقاؤه ، كما هي الحال في هذه القضية ، لان الاحتياطات التي تفرضها القوانين والانظمة ( كفرض معدل للسرعة بالحالات العادية طبعا ( هي الحد الادنى للوقاية المطلوبة والقيام بها من قبل السائق ( كما تدعى الجهة المستأنفة ) لا يكفى وحده لإعفاء صاحبها من كل مسؤولية متى ثبت تقصيره في القيام باحتياطات اخرى تدعو اليها طبيعة العمل وتستلزمها ضرورة صيانة الجمهور ، كتخفيف السرعة مثلا عند الاقتضاء واستعمال جهاز التسكين أو جهاز محول السرعة في الوقت المناسب أو الانتباه الى العوائق التي قد تعترض طريق السيارة في كل لحظة ليصار الى امكان توجيه مقودها التوجيه اللازم في حينه لا بعد فوات الأوان فيتفادى الحجارة التي لا تشغل الا جزءا يسيرا من الطريق دون ان يضطرب مقودها خصوصا اذا علمنا ان الطريق كان مكشوفا امام السائق لمسافة تزيد عن خمس كيلو مترات ونور السيارة يكشف الحجارة عن مسافة تزيد عن ١٥٠ مترا ، كما جاء بتقرير الخبير مما يوجب رد هذا السبب أيضا راجع المسؤولية المدنية المصطفى مرعي من فقرة ٤٣ حتى ٥٣دالوز العملي وفقرة ٦٣ الى ٦٩ ) . حيث ان التعويض يلزم ان يكون متناسبا مع مقدار الضرر . ولما كان الضرر الذي الأب والأخ هو غير الضرر الذي يصيب الزوجة والاولاد القاصرين خصوصا اذا كان المغدور هو معيلهم الوحيد . وحيث ان المحكمة تقدر مبلغ التعويض عن الضرر الذي أصاب جهة الادعاء الشخصي بخمسة آلاف ليرة سورية فقط لذلك : تقرر بالاتفاق الحكم بما يلي : 1. فسخ الحكم المستأنف ) من جهة الفقرة الثانية منه المتضمنة الزام رشيد. وشاكر بالتضامن لدفع ثلاثة آلاف ليرة سورية) ومنع معارضة المستأنف عليهما للمستأنفين من هذه الناحية. 2. رد الاستئناف موضوعا للأسباب المبينة في هذا القرار من بقية الجهات الأخرى وتصدق الحكم المستأنف بخصوصها 3. مصادرة التأمين الاستئنافي وقيده ايرادا للخزينة واعادة ربع الباقي الى الجهة المستأنفة 4. الزام الطرفين بالرسوم والمصاريف المبينة ذيلا على وجه التساوي والاتعاب متهاترة . قرارا وجاهيا بحق الطرفين قابلا للطعن بطريق النقض صدر وافهم علنا في ٢٢ آذار ١٩٦٠ حسب الاصول .