إذا لم يُعيَّن محل الالتزام تعييناً كافياً يرفع الجهالة، انصرف الحكم إلى بطلان العقد بطلاناً مطلقاً متعلقاً بالنظام العام، ويجوز للمحكمة إثارته تلقائياً دون تقيد بدفع الخصوم، ولا يزول بالإجازة.
ان نص المادة 134 من القانون المدني قد جاء صريحاً في تعابيره ببطلان العقد إذا لم يكن محل الالتزام معيناً بذاته وبطلان العقد هـذا من متعلقات النظام العام ويدخل ضمن شمول الفقرة 6 من المادة 252 أصول مدنية بجواز إثارته من المحكمة من تلقاء ذاتها وتأخذ به . اثارة هذا البطلان إلزام قانوني نصت عليه المادة 142 من القانون المدني التي أعطت لكل ذي مصلحة متى كان العقد باطلاً ان يتمسك بالبطلان وللمحكمة ان تثيره من تلقاء ذاتها ولا يزال هذا البطلان بالإجازة المناقشة: النظر في الدعوى:إن الهيئة الحاكمة بعد إطلاعها على استدعاء دعوى المخاصمة المقيد بـ 29/7/1992 وعلى القرار موضوع المخاصمة وعلى مطالبة النيابة العامة وعلى القرار رقم 26 لعام 1992 وعلى استدعاء طلب التجديد وعلى كافة أوراق القضية وبعد المداولة أصدرت الحكم.الحكم موضوع المخاصمة:القرار الصادر عن محكمة النقض الغرفة المدنية الثانية بالدعوى رقم أساس 4325 قرار 1838 تاريخ 30/7/1990.أسباب المخاصمة:1 – أسباب رفض الطعن غير الصحيحة نسبة إلى القانون ووثائق الدعوى لأن حبيب هو شريك لشقيقه فارس ليس في الملكية فحسب وإنما بالعمل التجاري وبناء الشقق السكنية وبيعها للراغبين في الشراء، وقد استقر الاجتهاد على أن توقيع أحد الشركاء على عقد البيع ملزم لباقي الشركاء في تجارة الأبنية وإن إغفال الأثر الحاسم لسند التوكيل العام وإهمال وجود التفويض بالبيع وتجاهل صدور البيع عن ذلك صفة فهو خطأ فاحش ومن صميم مهنة القاضي وعمله.2 – القول بجهالة المحل المبيع في العقد لا يقوم على أساس من واقع الأدلة المطروحة في الإضبارة فقد حدد المبيع العقد على أنه (قسم من طابق الأعمدة الموجه شرقي قبلي غربي) وحدد المدعي في استدعاء دعواه بأنه السهم الموجه من طابق الأعمدة قبلي شرقي غربي رقم 1729 منطقة عقارية ثالثة بحلب والمرموز إليه حالياً بالرقم 1729/3 كما حدده المدعي بطلب من المحكمة بشكل دقيق وأضاف هذا التحديد المبين بالعقد كاف وناف للجهالة ويمكن التأكد من ذلك عن طريق الكشف والخبرة. مما يكون معه القول بجهالة المبيع قولاً مخالفاً للمادة 134 مدني وينطوي على خطأ فاحش أيضاً.3 – الهيئة المخاصمة لم تمارس رقابة دقيقة على الحكم المطعون فيه كمحكمة نقض، مما يجعل ذلك سبباً يدل على الخطأ الفاحش الذي يرقى إلى درجة الخطأ المهني الجسيم والامتناع عن تحقيق العدالة.4 – تجاوزت الهيئة المدعى عليها صلاحياتها في القرار الذي أصدرته موضوع هذه الدعوى ذلك أن محل الالتزام طرحته وأخذت به عفواً من قبلها مخلة بمبدأ ثبات النزاع. وسيادة الخصوم على دعواهم.5 – إخلال الهيئة المخاصمة بمبدأ استقلال محاكم الموضوع في تقدير الدليل ذلك أن القول بجهالة محل الالتزام جاء مخالفاً لنص العقد ووثائق الدعوى.في مناقشة وجود المخاصمة والقضاء:من حيث أن دعوى المدعي المخاصم تتلخص على أنه اشترى من المدعى عليهما حبيب وفارس قسماً من طابق الأعمدة الموصوف بالمحضر رقم 1729/3 منطقة عقارية ثالثة بحلب اتجاه قبلي غربي شرقي بمبلغ 43 ألف ليرة سورية دفع منها بتاريخ العقد مبلغ عشرون ألف ليرة سورية والباقي يدفع عند فراغه، ولامتناع الجهة المدعى عليها عن الفراغ وقبض باقي الثمن فهو يطلب الحكم بتسجيل المساحة المباعة على اسمه مع العطل والضرر.وتقدم المدعى عليه البائع حبيب بإدعاء متقابل يتضمن أن المدعى عليه بالتقابل إدوار قد التزم في عقد البيع بدفع باقي الثمن خلال شهر من تاريخ العقد وإلا يعتبر ناكلاً عن الشراء دون حاجة إلى إعذار ويطلب فسخ العقد.وبنتيجة المحاكمة قررت محكمة البداية رد الدعوى عن المدعى عليه حبيب ورد دعوى المدعي إدوار وفسخ عقد البيع وإعادة الحال إلى ما كانت عليه قبل التعاقد وإلزام المدعى عليه تقابلاً بتسليم المساحة التي يضع يده عليها إلى المدعي حبيب وإلزام الأخير بإعادة مبلغ عشرون ألف ليرة سورية إلا أن محكمة الاستئناف فسخت القرار جزئياً وألغت الفقرتين المتعلقتين بالتعويض وصدقت باقي الفقرات.فطعن به المدعي كما طعن به تبعياً المدعى عليهما فأصدرت الهيئة المخاصمة قرارها برفض الطعنين موضوعاً فكان أن تقدم المدعي إدوار بدعوى المخاصمة هذه.من حيث أن اجتهادات الهيئة العامة لمحكمة النقض والاجتهادات الأخرى الصادرة عن غرفة المخاصمة في محكمة النقض قد أرفقت ضوابط ومعايير دقيقة للخطأ المهني الجسيم الذي إذا وقع فيه القاضي فقضت بإبطال حكمه.هذه المعايير والضوابط لا تخرج عن كون الخطأ المهني الجسيم هو الخطأ الفاحش الذي يخرج عن الخطأ الذي مثله الجهل الذي لا يغتفر بالوقائع الثابتة بملف الدعوى وكذلك الإهمال وعدم الحيطة البالغة الخطورة وقضى بأنه هو الخطأ الفاحش الذي لا يقع فيه القاضي الذي يهتم اهتماماً عادياً بعمله كخطأ المبادئ الأولية للقانون فلا يدخل فيه خطأ القاضي في التقدير لأن استخلاص الوقائع وتفسير القانون عمل غاية في الدقة.(يرجى مراجعة العشماوي ).فعلى ضوء تلك الاجتهادات والمعايير نقول:من حيث أن ما ورد في السبب الأول من طلب المخاصمة لم يكن مثاراً كسبب من أسباب الطعن وقد نوهت الهيئة المخاصمة في حيثياتها إلى ذلك ولم تتعرض لهذا السبب أعمالاً لأحكام المادة 252 أصول حقوقية الفقرة الرابعة التي نصت على عدم جواز التمسك بغير الأسباب التي اشتمل عليها الاستدعاء أي استدعاء الطعن مما يجعل السبب الأول لطلب المخاصمة مرفوضاً.ومن حيث أنه بالعودة إلى العقد المبرم بين الطرفين بما حواه القول الفصل إذ انصب البيع على قسم من طابق الأعمدة اتجاه شرقي قبلي غربي فالعقد إذن لم يعين محل البيع بذاته كما لم يعينه بنوعه أو بمقداره من مساحة أو أمتار أو حدود خاصة بعد أن استثبتت محكمة الموضوع أول درجة شمول الاتجاهات الواردة في العقد لجميع طابق الأعمدة وذلك بالكشف الحسي الواقعي على محل البيع والمؤرخ 5/2/1986 مما يجعل البيع محاط بجهالة.ومن حيث أن قول طالب المخاصمة أنه حدد المبيع بمذكرته بشكل دقيق فإن مثل هذا القول لا يعتد به قانوناً طالما أن المنازعة حوله قائمة وطالما أنه من المقرر قانوناً عدم جواز أن يخلق المرء دليلاً من نفسه إذ أن مثل هذا الدفع يحتاج إلى دليل ولا يوجد في ملف الدعوى ما يشير إلى تصدي طالب المخاصمة لإثبات هذا الدفع.ومن حيث أن طالب المخاصمة أدرك أن العقد حتى في حال تثبيته غير قابل للتنفيذ للجهالة التامة التي أحاطت محل البيع فتقدم بدعوى مبتدأة يطلب فيها تثبيت ملكيته للمقسم الذي شغله من طابق الأعمدة استناداً إلى حق الملكية بالالتصاق وهو إقرار كامل من طالب المخاصمة بعدم تحديد محل البيع بذاته ولا بمقداره مساحة وهو دليل لا يمكن تجاوز أثره القانوني على دعوى المخاصمة هذه وهذا يستدعي رفض السبب الثاني لدعوى المخاصمة.ومن حيث أن الهيئة المخاصمة قامت بصميم عملها بتفسير العقد على ضوء أحكام القانون والأدلة المبسوطة أمامها وبعد اقتناعها بجهالة محل البيع أعملت حكم القانون على العقد أي أحكام المادة 134 من القانون المدني.ومن حيث أن نص المادة 134 قانون مدني جاء صريحاً في تعابيره ببطلان العقد إذا لم يكن محل الالتزام معنياً بذاته وهذا العقد الباطل من متعلقات النظام العام ويدخل ضمن شمول الفقرة 6 من المادة 252 أصول مدنية بجواز إثارته من المحكمة من تلقاء ذاتها وتأخذ به.كما أن إثارته من قبل المحكمة من تلقاء ذاتها إلزام قانوني نصت عليه المادة 142 قانون مدني التي وردت بالصيغة التالية: (إذا كان العقد باطلاً لكل ذي مصلحة أن يتمسك بالبطلان وللمحكمة أن تقضي به من تلقاء ذاتها ولا يزول البطلان بالإجازة).من هنا كانت الهيئة المخاصمة قد قامت بممارسة رقابة حقيقية على الحكم المطعون أمامها وأعلمت حكم القانون عليه وأضحت في حكمها هذا بمنأى ومنجأة عن أي خطأ فاحش أو مهني جسيم.وهذا يؤدي إلى رفض أسباب المخاصمة 3 و4 و5.لذلك وبعد المداولة تقرر بالإجماع:1 – رد دعوى المخاصمة موضوعاً وإلغاء قرار وقف التنفيذ.2 – مصادرة التأمين لصالح الخزينة.3 – تضمين طالب المخاصمة ألف ليرة سورية لصالح الخزينة.4 – تضمين طالب المخاصمة الرسوم والمصاريف والأتعاب. 5 – رفع إشارة الدعوى.