إذا جرت إجراءات التحقيق في غياب المتهم، فإن حق الاطلاع قد يظل قائماً لمحاميه متى كان موكلاً في القضية ولم يُبلَّغ تبليغاً صحيحاً أو تولّى الوكالة بعد إجراء التحقيق، لأن وظيفة المحامي في الدفاع تقتضي تمكينه من معرفة ما تمّ من أعمال تحقيقية غير ممنوعة من الاطلاع.
من حق المحامي أن يطلع على العمل التحقيقي الذي جرى في غياب موكله المتخلف عن الحضور المناقشة: إلى النائب العامجواباً عن كتابكم رقم 91/2 تاريخ 29/1/1970 وكتاب المحامي العام الأول في دمشق رقم 2008 تاريخ 26/1/1970 المعطوب على الاستدعاء المقدم من قبل المحامي الأستاذ.إن المشرع وإن كان قد نص في قانون أصول المحاكمات الجزائية على عدم أحقية الأشخاص المذكورين في الفقرة الأولى من المادة 70 في حال تخلفهم عن الحضور. بعد دعوتهم حسب الأصولن بالاطلاع على التحقيقات التي جرت في غيابهم (الفقرة الثانية) غير أن هذا المنع لا يشمل الوكيل الذي لم يبلغ وتبلغ موكله فقط، أو الوكيل الذي توكل في القضية بعد إجراء العمل التحقيقي الذي تغيب موكله عن حضوره. ولا يمكن القول هنا بعدم أحقية الوكيل في الاطلاع لانتفاء حق موكله به، لأن المحامي كما ذهب إلى ذلك (Appleton) في كتابه «المطول في مهنة المحاماة» يساهم بشكل فعال في خدمة عامة هي تحقيق العدالة لذلك دعي إلى حلف اليمين، وأخضع إلى نظام خاص يتمتع بموجبه بحقوق وضمانات لا يتمتع بها غيره من الوكلاء. وإن النظام المتعلق بالمهنة ليس مستوحى من الرغبة في تحقيق ما ورد في الاتفاقات المعقودة بين الطرفين من شروط، وإنما من الحاجة إلى تأمين سير الخدمة العامة بشكل صحيح. لذلك فإن هذه العلاقة تدخل في كثير من الأحيان في نطاق الحقوق العامة فرضتها حاجات الخدمة وأوحت بها فكرة العدالة (ص 400 بند 223).وتجاه هذا المفهوم، كان من حق المحامي الموكل في القضية بعد إجراء العمل التحقيقي الذي تغيب موكله عن حضوره أن يطلع عليه.يضاف إلى أن نص الفقرة الأولى من المادة 70 أصول جزائية يوجب تبليغ الموكل والمحامي في حال وجوده، ولا يقوم تبليغ الموكل فقط بديلاً عن تبليغ المحامي، الأمر الذي يدل على أهمية دور المحامي في المساعدة على ضمان حق الدفاع وتحقيق العدالة بالتالي.إن التشريعات المقارنة وإن كانت لم تتضمن القاعدة التي جاء بها المشرع السوري في الفقرة الثانية من المادة 70 أصول جزائية غير أنها أتت ببعض القواعد التي تدل على مدى حق المحامي بالاطلاع على نواح حجبت عن الموكل. فالمادة العاشرة من قانون 22/3/1921 الفرنسي توجب على قاضي التحقيق اخطار المحامي قبل أربع وعشرين ساعة على الأقل من استجواب موكله ووضع الملف التحقيقي في متناول يده (البند الأول)، ولم تبحث هذه المادة في حق الموكل بالاطلاع عليه، فذهب الاجتهاد إلى تفسير حكمها بصورة حصرية (محكمة النقض الفرنسية في 3/8/1935 دالوز الدوري 1937 – 1 – 94) والقانون الألماني لم يسمح للمتهم بالاطلاع على بعض محاضر التحقيق في حين خول محاميه هذا الحق (المادة 147).ولا يغربن عن البال أخيراً أهمية التحقيق الابتدائي الذي قد يستغرق وقتاً ليس بالقصير، وإن محكمة الموضوع غالباً ما تبني اقتناعها على هذا التحقيق لأنه في نظرها أقرب إلى الحقيقة لمعاصرته زمن وقوع الجريمة. فالى أن تعرض القضية على المحكمة، قد تتأثر ذاكرة الشهود، كما قد يموت بعضهم أوينسى البعض الآخر ما وعاه من تفاصيل الحادثة، أو قد يتأثر بعضهم بما يدعوه إلى العدول عن أقواله الأولى، فيكون الضمان الوحيد لحسن سير العدالة هو صيانة التحقيق الابتدائي بضمان حقوق الدفاع لجميع الأفرقة في القضية بترك المجال أمام من يمثلونها بممارسة حق الدفاع. وأنى لهم أن يؤدوا ذلك على أكمل وجه وهم جاهلون ما تم في القضية من أعمال تحقيقية لم يمنعهم القانون من الاطلاع عليها بسبب عدم سريتها. لذلك كان من حق المحامي أن يطلع على العمل التحقيقي الذي جرى في غياب موكله المتخلف عن حضوره، إذ قد تكون له ملاحظات عليه من شأنها في حال الأخذ بها أن تغير سير التهمة.