الأمراض العقلية من المسائل الفنية التي لا يثبت وجودها أو نفيها إلا بالخبرة المختصة، ولا يملك القاضي استبعادها أو ترجيح قناعته الشخصية محلّها ما لم تكن الخبرة قائمة على معطيات حسية تخالف الواقع أو تُدعم بخبرة أخرى أو وقائع ملموسة.
إن وجود الأمراض العقلية أو عدمها بأحد المتخاصمين ليس من الأمور الملموسة التي يمكن كشفها بالعين المجردة أو بسماع الأقوال فحسب. ولا بد من الاستعانة برأي أهل الخبرة والاختصاص في مثل هذه الادعاءات لتعلقها بأمور فنية بحتة. المناقشة: لما كان جنوح المحكمة إلى رد طلب إجراء المعاينة للتثبت من صحة ادعاء المميز بأنه مصاب بمرض عقلي وعدم صحة هذا الادعاء بحجة عدم ملاحظتها عليه ما يوجب تلك المعاينة ثم تصريحها عند الإصرار بأنها لن تأخذ برأي الأطباء فيما لو أيدوا زعمه هذا بداعي أنها غير مقيدة بالخبرة وبأن لها حق التقدير وبأنها لن تكذب قناعتها بسلامة هذا المميز إلى آخر ما أوردته من الأسباب يعتبر استباقاً للحوادث وتجاوزاً للسلطة لأن وجود شيء من الأمراض العقلية أو عدم وجوده بأحد المتخاصمين ليس من الأمور الملموسة التي يمكن كشفها بالعين المجردة أو بسماع الأقوال فحسبوكانت الاستعانة برأي أهل الخبرة والاختصاص في مثل هذه الادعاءات واجبة لتعلقها بأمور فنية بحتة ولا تدخل تحت المسائل التقديرية التي يستقل بها قضاة الموضوع ما لم تكن آراء الخبراء مبنية على أمور حسية تخالف الواقع، فتملك المحكمة إذ ذاك حق عدم التقيد بالخبرة وتعزز حكمها إما بخبرة أخرى تخالف الخبرة الأولى أو بأمور ملموسة تتعارض مع الأمور الحسية التي قد يستند إليها الخبراءوكان رأي الخبراء لم يؤخذ بعد ليمكن مناقشتهم، ولا سيما أنه لا يستبعد أن ينفوا مزاعم هذا المميز ويدحضون ادعاءه المذكوروكان خلو النص المؤيد لما ذكر لا يبطل هذه المبادئ العامة التي يؤدي عدم سلوكها إلى جعل الأسباب الموجبة للحكم غير كافية. لذلك قررت الهيئة العامة بإجماع الآراء وخلافاً للبلاغ نقض الحكم الإصراري المميز موضوعاً.