لا يُعتبر منع السفر تأميناً مدنياً للحق ولا وسيلةً عامة لضمان الديون، وإنما هو تدبيرٌ استثنائي لا يُلجأ إليه إلا في الحالات الضيقة التي نصّ عليها القانون، وبالقيود نفسها المقررة للحبس التنفيذي.
أصول جزائية – المرسوم رقم 112 لعام 1950 /الكتاب الثاني: المحاكمات/الباب الرابع: أصول المحاكمة لدى المحاكم البدائية/مادة 185/ – منع السفر لا يدخل في مفهوم التأمينات التي يجوز للدائن بأجل واقف أن يطلبها. – يمكن استناداً لنص المادة 119 أصول جزائية اتخاذ تدبير منع السفر. لم تأخذ الأحكام القانونية النافذة بما كانت الأحكام السابقة قد أخذت به لجهة منع المدين بدين مؤجل من السفر ما لم يقد كفيلاً (المادة 656 من مجلة الأحكام العدلية – كما ولم تأخذ بمبدأ الحبس التنفيذي على اطلاقه الذي كان معروفاً على هذا الشكل في المادتين 131 و137 من قانون الاجراء العثماني اللتين أجازتا التوسل بالحبس التنفيذي في جميع القضايا المدنية والتجارية، وكذلك في الحقوق الشخصية المتولدة عن جرائم جزائية، وكان يجوز بالتالي في هذه القضايا منع المدين من السفر نظراً للشبه القائم بين هذا التدبير من جهة، والحبس التنفيذي من جهة أخرى، إذ أن كليهما وسيلة قسرية يقصد منهما حمل المدين على تنفيذ التزامه أو ضمان هذا التنفيذ. إن الشارع رأى أن حق الدائن يتعلق بمال المدين لا شخصه، وأن ما يملكه فقط ضامن للوفاء بالتزاماته لا حريته الشخصية، مغلباً في ذلك وجهة النظر الموضوعية في الالتزام لا الشخصية، ولذلك عمد في الأحكام النافذة حالياً الى الغاء المنع من السفر، فلم يجر النص عليه في القانون المدني الذي حل محل مجلة الأحكام العدلية، بالاضافة الى أن هذا التدبير ليس بالرأي الراجح في المذهب الحنفين كما أنه قد ضيق من نطاق الحبس التنفيذي وقصره على حالات وردت حصراً في المادة 460 من قانون أصول المحاكمات. لذلك فإن المنع من السفر لا يجوز اللجوء اليه إلا في الحالات التي يجوز فيها اللجوء الى الحبس التنفيذي وبشروطه، أي أنه لا يمكن التوسل به ما دامت الطرق العادية مفتوحة أمام الحكم الصادر في الموضوع عملاً بأحكام المادة 289 / 1 من قانون أصول المحاكمات التي لم تسمح بالتنفيذ الجبري ما دام طريق الاستئناف لا يزال مفتوحاً. هذا وإن الاجتهاد قد أيد وجهة النظر السابقة، فذهبت اليه محكمة النقض في قرارها الصادر في الدعوى رقم اساس حقوق 488 وقرار 425 تاريخ 25 / 11 / 1954 كما وأخذ بها الرأي الراجح في القضاء اللبناني علماً بأن أحكام المادة 809 من قانون اصول المحاكمات المدنية اللبناني تشبه أحكام المادة 460 من القانون السوري (استئناف لبنان الشمالي 24 تشرين الأول 1956 ورقم 2356 ، النشرة القضائية، لعام 1957 وما بعد، استئناف بيروت 29 أيار 1959 ورقم 109 ، النشرة القضائية لعام 1959 وما بعد). ولا بد من الاشارة الى أن المنع من السفر لا يدخل في مفهوم التأمينات التي يجوز للدائن بأجل واقف أن يطلبها والتي اشارت اليها المادة 274 / 1 من القانون المدني، لأن المقصود بهذه التأمينات تلك التي لا تحمل طابع القسر، كطلب وضع حراسة على الأموال المتنازع عليها، وإقامة دعوى الصورية، ورفع دعوى بصحة توقيع المدين على السند تفادياً من انكاره له عند استحقاق الدين، وبناء على ذلك لا يمكن حتى الزام المدين بتقديم كفيل تحت طائلة منعه من السفر، لأن هذا الاجراء كما تقول محكمة النقض في قرارها المتقدم فضلاً عن عدم إمكانية تنفيذه فيما إذا كان المدين معسراً، فإن فيه تقييداً للحرية الشخصية بصورة تخالف القواعد القانونية النافذة. وبما أن الحكم الصادر عن محكمة بداية الجزاء لجهة الحق الشخصي لا يمكن تنفيذه بالطريق الجبري لأن طريق الاستئناف ما زال مفتوحاً أمامه. لذلك فإن الحبس التنفيذي غير وارد بالنسبة اليه وكذلك المنع من السفر. هذا في نطاق الحق الشخصي، أما في نطاق الدعوى العامة فلا يوجد ما يمنع من اتخاذ تدبير بمنع المحكوم عليه من السفر، لأن الشارع قد سمح بالتوقيف المجدد لمن سبق أن أخلي سبيله إذا جدت اسباب طارئة تستدعي ذلك (المادة 119 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الواردة في باب قاضي التحقيق والتي تعتبر مبدأ عاماً بالنسبة للجهات القضائية الأخرى التي تمارس التوقيف واخلاء السبيل)، ويمكن بالتالي استناداً لهذا النص اتخاذ تدبير أقل قساوة من التوقيف بحق المحكوم عليه المزمع على السفر وهو منعه من ذلك، ومن المقرر أن الاستعداد للسفر من قبل من أخلي سبيله من الأسباب التي تجيز اتخاذ مثل هذين التدبيرين بحقه خشية عدم إمكانية تنفيذ ما سيقضى به عليه في دعوى الحق العام في المستقبل. (كتاب وزارة العدل رقم 12572 تاريخ 10 / 7 / 1963) وزير العدل