لا يكفي لإسناد التسبب بالموت قانوناً وجود سحجات أو رضوض غير ثابتة الصلة بالوفاة؛ إذ لا بد من قيام الدليل على أن الإصابة وقعت على عضو حساس مولّد للنهي العصبي أو كانت من طبيعة مميتة، وإلا اختلّ تطبيق المادة الجزائية الخاصة بالموت الناتج عن الضرب أو العنف.
إن انتفاء حصول الموت نتيجة السحجاب الظفرية الرضية التي أصيب بها المغدور عند المشاجرة وانتفاء وجود آثار مرضية أو رضية تستوجب الوفاة وفق ما أوضحه تقرير اللجنة الطبية لا يجعل التطبيق للمادة 536 من قانون العقوبات صحيحاً ما دام النهي العصبي لا يمكن حصوله إلا بعمل مادي يقع على الأعضاء الحساسة المولدة للنهي العصبي المناقشة: ان محكمة الجنايات في دمشق قررت بتاريخ ٨ كانون الثاني ١٩٥٨ تجريم المتهم محمد المذكور بجناية التسبب لموت المجنى عليه أحمد والحكم بوضعه في سجن الاشغال الشاقة خمس سنين اعتبارا من تاريخ توقيفه الواقع في ١٩٥٧/٧/٥ وفاقا لأحكام المادة ٥٣٦ من قانون العقوبات وعفوه من تدبير منع الاقامة وتضمينه عشرة آلاف ليرة تدفع الى ورثة المجنى عليه حسب الفريضة الشرعية تعويضا لهم عما لحق بهم من أضرار وتضمينه الرسوم . وان الغرفة الجزائية في محكمة التمييز نقضت هذا القرار بتاريخ ١٦ نيسان ١٩٥٨ تحت رقم أساس جناية ٢٣٥ بناء على استدعاء معاون النائب العام والمحكوم عليه بعلة ان الطبيب الشرعي حدد المناطق المصابة بالسحجات من جسم المغدور أحمد وليس منها البطن وان الشهادات والادلة لم تشر الى اصابته في بطنه أو بأي ضغط على عنقه أو صدره ، ولأنه ليس في الايضاحات التي أدلى بها الطبيب أمام المحكمة ما يفيد ان أمكنة السحجات المشاهدة في الجثة تعتبر من الاعضاء الحاسة المولدة للنهي العصبي ولأنه كان على محكمة الموضوع أن تستوضح من الطبيب الموما اليه ومن أعضاء اللجنة عن هذه النواحي وان تتوسع في التحقيق لمعرفة أسماء الجنود الوارد ذكرهم في افادة زوجة المغدور وان تستمع اليهم لبيان كيف كان التماسك بين المحكوم عليه والمغدور لاستجلاء ما غمض في القضية . وان المحكمة الموما اليها عادت وأصرت على قرارها السابق قائلة لم يرد في قرارها انها اعتبرت المغدور أصيب في بطنه وان قول الطبيب الشرعي ان الصدمة الواقعة على البطن وهو من المناطق الحساسة المعرضة للنهى العصبي انما هو قول مأخوذ منه على سبيل المعلومات | ولا يستفاد منها ان المغدور أصيب في بطنه ، ولأنها قصدت بقولها ان حصول الضغط والصدمة على العنق والصدر والوجه المشاهدة في جثة المغدور رغم انها لا تؤلف بحد ذاتها سببا للموت فإنها تعتبر مرتبطة بالنهي العصبي. والوفاة الحاصلة ولان التوسع في التحقيق لعدم كفاية الادلة يعود أمره الى محكمة الاساس ، ولأنها وجدت قرارها المنقوض منسجما مع أسبابه من جهة الثبوت والتطبيق القانوني . وان النائب العام لدى محكمة التمييز طلب بمطالعته المؤرخة في ٩ ايلول ١٩٥٨ نقض الحكم المميز موضوعا . وبعد المداولة صدر القرار الآتي : : لما كانت النيابة العامة تطلب نقض الحكم الاصراري لان العقوبة لا تتفق والجريمة وكان المحكوم عليه محمد يطلب النقض للأسباب الآتية وهي : 1. على فرض حصول المشاجرة التي ينكرها فان المغدور أحمد هو الذي ابتدأ فيها لأنه اغتاظ منه لعدم ايصاله بالسيارة الى داره فانهال عليه بالضرب وارسل زوجته لتستنجد بأخيه ضد المميز وان دوره في المشاجرة يكون دور المدافع عن نفسه 2. ان المحكمة لم ترد على دفوعه التي أقرتها محكمة التمييز بإعلام النقض الذي لم يقتصر على الالتباس انما شمل لزوم التوسع بالتحقيق باستماع الجنود . 3. ان النهى العصبي قد ينشأ عن انفعال نفساني شديد أو ضرب عادي وان المغدور الاخرس قد وقع في حالة غضب شديد وفي حالة انفعال نفساني وأصيب بالنهي العصبي دون أن يكون للمميز أية صلة سببية بالنهي العصبي . 4. ان من لا يمكنه أن يتوقع الموت الناشئ عن أسباب مجهولة تطبق عليه المادتان ٥٥٤ و ۱۹۹ من قانون العقوبات ١٩٩ 5. ان العطل والضرر لا يتوجبان عليه طالما انه لا علاقة سببية له بالموت . في مجمل هذين التمييزين : لما كان سبق لمحكمة الموضوع ان حكمت على المميز محمد بجريمة التسبب لوفاة المغدور أحمد استنادا للمادة ٥٣٦ من قانون العقوبات لثبوت حصول الوفاة بالنهي العصبي اثر مشاجرتهما وانتفاء وجود أي سبب آخر للوفاة كما جاء في التقرير الطبي ولقناعتها بأن النهي العصبي استعمال الضرب والعنف ولان الصلة السببية متوفرة ولا يدفعها ان المميز لم يكن يعلم بحالة المغدور على ما جاء في المادة ٢٠٣ من القانون المذكور ولما كانت الغرفة الجزائية نقضت الحكم المذكور أولا لان تقرير اللجنة الطبية تضمن ان الخبراء شاهدوا آثار السحجات الظفرية الرضية في عنق المغدور وساعده وذقنه وفكه ، وجزموا بان الوفاة حاصلة بالنهي العصبي لحصول الضغط والصدمة على العنق والصدر والوجه بعد ان تقوا وجود آثار مرضية أو رضية تستوجب الوفاة ، ولان أحد أعضاء اللجنة وهو الطبيب الشرعي ادلى بإيضاحات أمامها منها ان النهي العصبي لا يمكن أن يحصل الا بعمل مادي يقع على الأعضاء الحساسة المولدة للنهي العصبي ، ومنها ان الصدمة الواقعة على البطن وهي من المناطق الحساسة يمكن أن تحدث الموت ولو لم تترك أثرا ظاهرا على جدار البطن ، ومنها ان السحجات المشاهدة على المغدور ليست قاتلة بحد ذاتها اذا لم يكن الجسم مستعدا للموت . وثانيا – لأنه كان من المقتضى الاستيضاح من الطبيب الشرعي ومن بقية أعضاء اللجنة عما اذا كانت أمكنة السحجات المشاهدة في المغدور تعتبر من الاعضاء الحساسة المولدة للنهي العصبي أم لا ، وثالثا – لأنه كان من المقتضى ايضا توسيع التحقيق لمعرفة أسماء الجنود الوارد ذكرهم بإفادة زوجة المغدور وسماعهم لبيان كيفية تماسك المغدور والمميز ولاستجلاء ما ظل غامضا في القضية. ولما كان ذهاب محكمة الموضوع الى الاصرار على حكمها بداعي انه لامجال للقول بانها اعتبرت المغدور مصابا في بطنه وان ما جاء في حكمها بعبارة ) بالنظر لحصول الضغط والصدمة على العنق والصدر والوجه فان الوفاة حاصلة من النهي العصبي ) عني به بيان الآثار المادية أثبتها الاطباء وانه سواء سميت ضغطا أم عنفا أم ضربا أم غير ذلك الاسماء فالقصد الرئيسي الجوهري هو ان تلك الآثار رغم انها لا تؤلف بحد ذاتها سببا للموت فإنها تعتبر مرتبطة بالنهي العصبي وبالوفاة الحاصلة ، وان الايضاحات المأخوذة من الطبيب الشرعي تضمنت ما ينفي كل التباس حول ما اذا كانت أمكنة السحجات المشاهدة في جثة المغدور تعتبر من الاعضاء الحساسة المولدة للنهي العصبي أم لا ، ولان توسيع التحقيق يعود أمره اليها ولم يقدم لها في الاصل أي طلب حول اسماء الجنود ولم تر موجبا للتحقيق عن هوية أشخاص مجهولين للسؤال منهم عن وقائع تم بيانها وثبوتها بدون استماعهم . في النتيجة : لما كان انتفاء حصول الموت بنتيجة السحجات الظفرية الرضية التي أصيب بها المغدور عند مشاجرته مع المميز وانتفاء وجود آثار مرضية أو رضية تستوجب الوفاة على ما أوضحه تقرير اللجنة الطبية لا يجعل التطبيق للمادة ٥٣٦ من قانون العقوبات صحيحا مادام النهي العصبي لا يمكن حصوله الا بعمل مادي يقع على الاعضاء الحساسة المولدة للنهي العصبي على ما جاء في بيان الطبيب الشرعي . ولما كان قول الطبيب الشرعي بأن السحجات المشاهدة على المغدور ليست قاتلة بحد ذاتها اذا لم يكن الجسم مستعدا للموت لا يفيد أن امكنة تلك السحجات من الاعضاء الحساسة المولدة للنهي العصبي أم لا لان ايضاحاته المشار اليها تتعلق بدرجة تأثير السحجات لا ينفي كون أمكنتها من الاعضاء الحساسيةكما ان ذهاب المحكمة الى ان توسيع التحقيق وعدمه يعود البت فيه اليها بعد ثبوت الوقائع لا يجعلها في حل من جلب من يمكن أن ينير التحقيق تواصلا لمعرفة ما اذا كان المغدور أصيب أثناء مشاجرته مع المميز بضربة على بطنه ما دام البطن من الاماكن الحساسة المولدة للنهي العصبي اذا أصيب بضربة ولو لم تترك فيه أثرا على ما جاء في نفس الايضاحات المشار اليها أم انه مات في السيارة ولم يشتبك مع المميز كما جاء في الدفاع لاسيما وقد أفادت الزوجة ان المغدور نقل بمعرفة ثلاثة جنود الى المستشفى بنفس سيارة المميزولما كان التطبيق القانوني يختلف باختلاف تلك الحالات لان الجرم منطبقا على المادة ٥٥٤ من قانون العقوبات اذا كان جسم المغدور يصبح مستعدا للموت ولو لم يصب في أماكن مولدة للنهي العصبي أو بضرب مميت آخر . في حين ان الجرم يبقى منطبقا على المادة ٥٣٦ القانون من المذكور اذا كان المغدور أصيب على بطنه بعنف أو ضرب مادام ذلك مما قد يسبب الموت ولو لم يقصد بهما القتل .ولما كانت بقية الاسباب يمكن اثارتها امام المحكمة بعد اتباع النقض لتبت فيها لذلك قررت الهيئة العامة بإجماع الآراء وفقا للبلاغ من حيث النتيجة نقض الحكم المميز بالنسبة للتمييزين موضوعا .