قرار قاضي التحقيق بمنع المحاكمة لا يُعدّ حكماً جزائياً حجته ملزمة للقاضي المدني، حتى إذا اكتسب القطعية بتصديق قاضي الإحالة؛ والعبرة في الدعوى المدنية تكون لما ثبت للمحكمة من وقائع ومسؤوليات على ضوء قواعد البينات والمبادئ العامة للمسؤولية المدنية.
لئن كان القاضي المدني لا يرتبط بالحكم الجزائي في الوقائع التي لم يفصل فيها او التي فضل فيها دون ضرورة فإن قرار قاضي التحقيق يمنع المحاكمة ليس له حجية الاحكام الصادرة عن المحاكم وان صدق بقرار قاضي الإحالة . المناقشة: ادعى وكيل علي بن ابراهيم من قرية الحميدية ، على رئاسة بلدية طرطوس وكمال درويش ۰۰۰۰ لدى محكمة البداية المدنية في طرطوس ، قائلا ان ابن موكله المدعو ابراهيم كان يعمل معاونا لدى سائق السيارة المدعى عليه كمال، ولدى مرور السيارة في محلة الرمل لتفريغ حمولتها قطعت السلك الكهربائي العائد البلدية بالنظر لانخفاضه وعندما امسك به ابن الموكل محاولا رفعه صعق على الفور ثم لم يلبث ان قضى نحبه ، لذلك جاء يطلب الحكم بالتعويض المناسب وفي نتيجة المحاكمة تبين للمحكمة أن السلك الكهربائي الذي سبب الحادث واقع على ارتفاع ۲۸۰ سنتيمترا عن الارض فقط الجهة الغربية للشارع ، وان جعله على هذه الصورة يعتبر اهمالا من جانب البلدية واستهانة بأرواح الناس ، كما ان سائق السيارة مسؤول لمخالفته قانون السير بوضعه أثاث بيت بكامله على ظهر سيارته يزيد عما هو مسموح به كالحقائب والرزم الصغيرة التي لا يزيد وزنها على عشرة كيلو غرامات ، ولو لا ذلك لما انقطع السلك ووقع حادث الوفاة ، وبما أن المحكمة بمالها من حق في التقدير فإنها ترى توزيع المسؤولية بين البلدية والسائق بالتساوي ، وتقدر التعويض الكامل بخمسة آلاف ليرة سورية مناصفة بينهما ، وبمان انتقاء المسؤولية الجزائية لا تستتبع انتقاء المسؤولية المدنية ، فان قرار منع المحاكمة الصادر عن قاضي التحقيق بحق السائق لا يمنع من ملاحقته مدنيا ، فضلا عن انه ليس حكما جزائيا ، وانه لم يبحث المخالفة التي ارتكبها السائق بوضع الحمولة الزائدة على سطح سيارته ، وعلى ذلك قررت بتاريخ ١٤ / ٥ / ١٩٥٨ الزام كل من دائرة البلدية في طرطوس والسائق كمال درويش بدفع الفين وخمسمئة ليرة سورية لورثة المغدور ابراهيم علي عزيز وتضمينها بالتساوي رسم القرار واجور المحاماة واعفاء البلدية من الرسم لكونها دائرة رسمية .فاستدعى كل من وكيلي البلدية وكمال ۰۰۰۰ استئناف هذا القرار لدى محكمة الاستئناف المدنية في اللاذقية ، كما استأنفه تبعيا وكيل المدعي طالبين فسخه وفي نتيجة المحاكمة تبين لمحكمة الاستئناف ان الحكم المستأنف مخالف لما قضى به القرار الجزائي الصادر عن قاضي التحقيق الذي اكتسب الدرجة القطعية بتصديقه من قاضي الاحالة ، وبالتالي فهو مخالف لقانون البينات الذي نص في المادة ۹۱ على ان القاضي المدني لا يرتبط بالحكم الجزائي في الوقائع التي لم يفصل فيها او التي فصل فيها دون ضرورة ، مما يفهم معه انه يرتبط بالحكم الجزائي في الوقائع التي فصل فيها بضرورة ، لا سيما وان الاستناد في الحكم المستأنف الى المادة ١٢١ من قانون السير جاء في غير محله ، لان هذه المادة خاصة بسيارات نقل الركاب عبر الصحراء ، وبما أن ارتفاع السيارة كما اثبته كشف قاضي التحقيق هو ٢٧٥ سنتميترا ، يضاف اليه ارتفاع الحمولة الذي هو ٧٥ سنتميترا ، بحيث يكون المجموع ۳۵۰ سنتيمترا وهو دون الحد الاعلى لارتفاع السيارات بلا حمولة الذي حدده الجدول رقم 1 الصادر استنادا للمادة ٣٧ من قانون السير بثلاثمئة وثمانين سنتيمترا ، مما لا يكون المستأنف معه مخالف للقانون ولا مسؤولا عن هذه الجهة ، وانما المسؤولية بأكملها تنحصر في البلدية وفي القتيل نفسه بالتساوي ، ذلك لان البلدية لم تراع الشروط الفنية لمد الخطوط الكهربائية ، اذ جعلت ارتفاع السلك احد جانبيه ۲۸۰ سنتميترا فقط أي أقل كثيرا من الحد الاقصى النظامي لارتفاع السيارات فارغة ، ولان القتيل عمد بدون ضرورة أو طلب الى الامساك بالسلك الذي لا يشكل عائقا لمرور السيارة ، مما لا يأتلف مع الاحتراز المفروض في الشخص العادي لذلك قررت بالأكثرية بالتاريخ المذكور اعلاه فسخ القرار المستأنف ، ورد دعوى الجهة المدعية على المستأنف كمال ومنعهــا معارضته بالتعويض واعادة التأمين الاستئنافي اليه ، والزام البلدية بدفع الفين وخمسمئة ليرة سورية الى ورثة القتيل ابراهيم وهو نصف كامل التعويض ، وتضمين المدعي نصف الرسوم وتضمينه مع البلدية المصاريف بالتساوي ، وتضمين البلدية وحدها أربعين ليرة سورية اتعاب المحاماة فاستدعى وكيل البلدية تمييز هذا القرار مطالعة النيابة العامة التمييزية المؤرخة في ١٩٥٨/١٢/١٦ الرامية الى تصديق الحكم . لئن كان ذهاب محكمة الاستئناف الى اعتبار قرار قاضي التحقيق المحاكمة بمثابة الاحكام المنصوص عليها في المادة ٩٠ من قانون بمنع البينات في غير محله لان قرارات قاضي التحقيق بمنع المحاكمة لا يكون لها حجية الاحكام الصادرة عن المحاكم ، ولكن لما كان الحكم المميز مبنيا على سببين آخرين الاول لان ارتفاع سيارة المميز عليه مع حمولتها هو ٣٥٠ سنتميترا وهذا الارتفاع هو دون الحد الاعلى لارتفاع السيارات بدون حمولة ، الثاني لان خطأ الجهة المميزة يستغرق الخطأ البسيط من المميز عليه بفرض وجود هذا الخطأ ولما كان المميز لم يناقش في استدعاء تمييزه هذين السببين الاخيرين ولا يمكن لمحكمة التمييز بحثهما بدون اثارة من الجانب المميز ، لا سيما وان تقدير استغراق خطأ لآخر يعود لمحكمة الاساس ، كان الحكم المميز من حيث النتيجة جديرا بالتصديق . لذلك تقرر بالإجماع وفقا للمطالبة تصديق الحكم المميز