يجوز للمتعاقدين الاتفاق على اختصاص محكمة معينة محلياً في المنازعات الناشئة عن عقدهما، متى كانت تلك المحكمة مختصة نوعياً، ولا يُعد هذا الاتفاق باطلاً لمجرد مخالفته للقاعدة العامة في الاختصاص المحلي.
ليس الاختصاص المكاني من النظام العام وللمتعاقدين ان يتفقا على خلافه , وليس النص على اختصاص المحكمة في عقود الشركات الكبرى من عقود الاذعان لان هذا يقتصر على السلع والمرافق , واذا تدخل المشترع فلمنع الاستغلال فإذا انتفى لم يتدخل , ولا استغلال حين يستعمل المتعاقد رخصة قانونية . المناقشة: من حيث أنه من الرجوع الى المادة (81) من قانون أصول المحاكمات يتبين أنها تنص على أن يكون الاختصاص المحلي بالنسبة للحقوق الشخصية أو المنقولة للمحكمة التي يقع في دائرتها موطن المدعى عليه.ومن حيث أنه يستفاد من هذا النص أن القاعدة العامة في الاختصاص المحلي يكون دائماً للمحكمة الواقع بدائرتها موطن المدعى عليه وذلك لأنه ما دام لم يصدر حكم بأحقية المدعي لما يزعمه فإن المدعى عليه يعتبر محقاً في موقفه ويكون المدعي مطالباً بأن يتبعه الى موطنه ليختصمه أمام المحكمة التي يقع في دائرتها هذا الموطن ولا يسوغ له أن يكلفه بالحضور الى محكمته وهو يعد مدع بحق لم يثبت بعد.ومن حيث أن المشرع لم يأخذ في تحديد الاختصاص المحلي بالقاعدة العامة المذكورة على إطلاقها بل اضطر الى مجانبتها في بعض الحالات مراعاة لجانب المصلحة والعدالة أحياناً وأحياناً أخرى مراعاة لجانب المدعي فجعل فه الخيار بين العمل بالقاعدة العامة أو الالتجاء الى محكمة أخرى عينها له القانون. فعدل عن هذه القاعدة بالمادة (83) من قانون أصول المحاكمات. وذلك بالنسبة للدعاوى المتعلقة بالشركات القائمة أو التي يقع في دائرتها مركز إدارتها سواء أكانت الدعوى على الشركة أو على أحد الشركاء وذلك رغبة منه في رعاية جانب العدالة التي تقضي باختيار محكمة مقربة من مركز الشركة لسهولة الرجوع الى سجلاتها ودفاترها في مثل هذه الحالة.كما أجاز رفع الدعوى الى المحكمة التي يقع في دائرتها فرع الشركة في غيره لضرورة تفسير الاستثناء بحدوده الضيقة.ومن حيث أنه بالنسبة للاستثناء الأول فإنه من الرجوع إلى أوراق الدعوى يتبين من البيان التجاري تاريخ 14/10/1968 أن مركز الشركة المدعى عليها الخاص في سورية هو في مدينة دمشق وأنه ليس لها شعب أخرى في غيرها من المدن مما يجعل محاكم دمشق هي المختصة أصلاً للنظرفي الدعاوى باعتبار أن المحاكم التي يقع في دائرتها مركز إدارة الشركة المدعى عليها.ومن حيث أنه بالنسبة للاستثناء الثاني فإنه فرض أن الدعوى بالمطالبة بالتعويضات المشار إليها في استدعاء الدعوى مما ينطبق على أحكام المادة (87) من قانون أصول المحاكمات فإن المادة العاشرة من عقد العمل الذي يربط بين الطرفين قد نصت على اختصاص محاكم دمشق حصراً للنظر في كافة المنازعات التي قد تنشأ عن هذا العقد.ومن حيث أن الفقه والاجتهاد قد أجمعا على أن الاختصاص المحلي ليس من النظام العام وأنه يحق للمتعاقدين أن يتفقا على خلافه فتكون عندئذ المحكمة التي يختارانها للنظر فيما ينشأ بينهما من منازعات متى كانت ذات ولاية قانونية للنظر فيها. (نقض تاريخ 4/10/1959 – م القانون لعام 1959 ) مما يجعل الطرفين باتفاقهما هذا قد منحا محاكم دمشق سلطة الولاية في المنازعة التي يطرحها الطرفان وذلك على خلاف القواعد العامة التي وضعها المشرع ويجعل شرط العقد في هذه الحالة أولى بالرعاية باعتبار أن العقد شريعة المتعاقدين فلا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين أو للأسباب التي يقررها القانون ويكون ذهاب المحكمة الى خلاف ذلك، بصرف النظر فيما إذا كان يوجد أسباب قانونية تجيز نقض هذا العقد أو تعديله يجافي أحكام القانون.ومن حيث أن المحكمة اعتمدت في الأسباب التي قررها القانون في تعديل الاتفاق على ولاية محاكم دمشق أحكام المادة (150) من القانون المدني في شأن عقود الاذعان والتي تنص على أنه إذا تم العقد بطريق الاذعان وكان قد تضمن شروطاً تعسفية جاز للقاضي أن يعدل هذه الشروط أوأن يعفي الطرف المذعن منها وذلك وفقاً لما تقتضي به العدالة. الخ.ومن حيث أن المادة (101) من القانون المدني عرفت القبول في عقود الاذعان بأنه يقتصر على مجرد التسليم بشروط مقررة يضعها الموجب ولا يقبل مناقشة فيها.ومن حيث أنه من الرجوع الى المذكرة الايضاحية لما يقابل هذه المادة في القانون المدني المصري الذي هو الأصل التاريخي لقانوننا المدني تبين أنها قد نصت على شروط ثلاثة لعقود الاذعان يتوجب توافرها معاً:الأول: تعلق العقد بسلع أو مرفق تعتبر من الضروريات الأولى بالنسبة للمستهلكين أو المنتفعين.الثاني: احتكار هذه السلع أو المرافق احتكاراً قانونياً أو فعلياً، أو قيام منافسة محدودة النطاق بشأنها.الثالث: توجيه عرض الانتفاع بهذه السلع أو المرافق الى الجمهور بشروط متماثلة على وجه الدوام بالنسبة لكل فئة منه – كالعقود التي يعقدها الأفراد مع شركات الكهرباء والغاز والمياه والسكك الحديدية أو مع مصالح البريد والتلفونات والتلغرافات أو مع شركات التأمين.ومن حيث أنه يستفاد من استقراء هذه الشروط والأمثلة الضرورية على عقود الاذعان في المذكرة الايضاحية المنوه عنها وهي أمور مادية تتصل بقيم تلك السلع وأثمانها وقيمة الخدمات وكلها لا تخرج عن دائرة الاعتبارات الاقتصادية ولا علاقة لها البتة بالاعتبارات القانونية لا من قريب ولا من بعيد.ومن حيث أنه على فرض أن عقود العمل في الصناعات الكبرى مما يدخل في دائرة عقود الاذعان في وجه عام فإن الاتفاق على ولاية محاكم دمشق دون غيرها للنظر في المنازعات التي قد تنشأ عن هذا العقد ليست من الاعتبارات التي قصدها الشارع كما مر وإنما تدخل ضمن الاعتبارات القانونية. في شأن تنظيم أمور الولاية للمحاكم.هذا من جهة ومن جهة ثانية فإن عقود الاذعان هي عقود حقيقية تتم بتوافق ارادتين وتخضع للقواعد التي يخضع لها سائر العقود.ومهما قيل في مبررات تدخل الشارع من أن أحد الطرفين يكون ضعيفاً أمام الآخر وأنه بحاجة حماية فهذا لا أثر له في طبيعة العقد ولا يسوغ تدخل القضاء لحماية الطرف الضعيف لمجرد أنه ضعيف ما دام لم يستغل، وإنما الذي يبرر التدخل هو استغلال هذا الضعف لا الضعف بحد ذاته. وذلك بوضع شروط جائزة في العقد تتم عن التعسف فيها كما هو في نص المادة (150) من القانون المدني والمشار إليها آنفاً.ومن حيث أنه على فرض أن موطن المدعي في غير دائرة المحكمة صاحبة الاختصاص فإن القانون لا يجبره على المثول أمامها في القضايا المدنية وإنما يصح اختصامه بواسطة وكيل قانوني يمثله.ومن حيث أنه من الرجوع الى سند توكيل المدعي تاريخ 16/12/1967 يتبين أن المدعي قد وكل عدداً من المحامين الذين يقيمون في دمشق وقد أبرز بعضهم لائحة جوابية على استدعاء الطعن مؤرخة في 2/3/1971 مما يجعل شرط التعسف غير متوافر في هذه الدعوى.ومن حيث لئن كان مما يعود الى قاضي الموضوع تقدير فيما إذا كان التعسف متوافراً أم لا إلا أن القاضي المذكور ليس حراً في عدم اتباع القانون فيما جاء به من قواعد التحقيق المبينة في قانون أصول المحاكمات والقانون المدني بل ينبغي له أن يتقيد بها وأن يأخذها أخذاً صحيحاً فإن خالفها أو أخطأ في تطبيقها أو تأويلها فسد رأيه فيهما وسرى هذا الفساد الى الحكم بالضرورة.هذا من جهة ومن جهة ثانية فإنه لما كانت المحكمة عندما قضت باختصاصها المكاني إنما بنت قرارها على أحكام المادة 87 من قانون أصول المحاكمات كما مر.ومن حيث أن المادة المذكورة أعطت حق الخيار للمدعي في أن يقيم الدعوى أمام محكمة المدعى عليه أو أمام المحكمة التي تم الاتفاق في دائرتها أو نفذ فيها.ومن حيث أنه يستدل من ذلك أن إعطاء حق الخيار للمدعي إنما هو نتيجة أعمال المشرع لا وجه في لاستغلال الضعيف المشار إليه آنفاً لأن أعمال المشرع لا يمكن أن تكون طريقة لاستغلال أحد الطرفين كما أن أعماله لا يمكن أن تكون موضوع شرط تعسفي المنوه عنه في المادة (150) من القانون المدني وذلك لأن المشرع منزه عن أعمال التعسف أو الجور حكماً وفرضاً مما ينتفي معه الشرط يكون نافذاً.الشرط المذكور وبالتالي التعسف فيه. هذا بالاضافة الى أن الشروط التي يمليها الموجب ويكون أكثرها لمصلحته فهي إما أن تكون للتخفيف من مسؤوليته التعاقدية أو للتشديد من مسؤولية الطرف الآخر، وهو الطرف المذعن وهي في مجموعها لا علاقة لها مع قواعد تنظيم مرفق القضاء وتأمين حسن سير العدالة وأحكام ولاية المحاكم واختصاصها المكاني التي تهدف إلى التيسير على كل راغب في الوصول الى القضاء مما يخرج قواعد اجراءات المحاكمات وأحكام الولاية والاختصاص عن دائرة عقود الاذعان التي تبقى منحصرة في حدود أصل الحق.لذلك فالمحكمة مصدرة الحكم المطعون فيه التي لم تسر على هذي ذلك قد عرضت قرارها للنقض.