البراءة من التزوير لا تُنشئ حجية مانعة من الادعاء بجريمة استعمال السند المزور أو التدخل به متى توافرت عناصرها، لأن لكل جريمة ركناً ووصفاً مستقلاً. وإذا انطبق على الفعل أكثر من وصف جرمي وجب تطبيق النص الأشد دون اعتبارها جرماً واحداً.
ان الحكم بالبراءة من جريمة التزوير لايقيد النيابة العامة ولا يمنعها من الادعاء على من برئ من هذا الجرم بجرم استعمال السند المزور او التدخل به ولايمكن اعتبار هذين الجرمين بمثابة الجرم الواحد المناقشة: الطعن مقدم من معاون النائب العام في اللاذقية بتاريخ ١٩٥٩/٢/٢٤ الطعن مقدم من المحكوم عليه مصطفى بتاريخ ١٩٥٩/٢/٢٤ الطعن مقدم من المحكوم عليه احمد بتاريخ ١٩٥٩/٢/١٩ الحكم المطعون فيه الصادر بتاريخ ١٩٥٩/٢/١٦ عن محكمة الجنايات في اللاذقية القاضي بعدم سماع الدعوى العامة المقامة على المتهم الموقوف احمد بجرم التدخل الفرعي باستعمال سند مزور وكف التبعات القانونية عنه من هذه الجهة ، والحكم على احمد المذكور بالحبس سنة واحدة اعتبارا من تاريخ توقيفه الواقع في ١٩٥٨/١٢/٨ وبالغرامة ثلاثمئة ليرة وفقا لأحكام المادة ( ٣٤٩ ) من قانون العقوبات من جرم الاختلاس العادي على ان تحسب له المدة التي توقفها سابقا ، وتنزيل فاعلية المتهم الآخر الموقوف مصطفى من الجناية الى جنحة الاحتيال واعتباره مكررا والحكم ) بعد التشديد ) بحبسه ستة أشهر اعتبارا من تاريخ توقيفه الواقع في ١٩٥٩/٢/١١ وتغريمه اربعمئة ليرة عملا بأحكام المادة ( ٦٤١ ) من هذا القانون على أن تحسب له المدة التي توقفها سابقا و ادغام عقوبتي المتهمين المذكورين بسائر العقوبات المحكوم بها عليهما بالقرار الصادر بتاريخ ١٩٥٦/٨/٦ رقم ) ٨٦ ) وتنفيذ الأشد منهما لجهة الحبس مع جمع الغرامات وتضمينهما النفقات ورسوم المحاكمة مطالعة النيابة العامة المؤرخة في ١٩٥٩/٣/٢٣ رقم ( ٢٥٠ ) . لما كانت النيابة العامة تطلب النقض ضد المحكوم عليهما احمد ومصطفى للأسباب الآتية وهي :1. ان المحكمة لا تملك حق عدم سماع الدعوى العامة المقامة بحق احمد بعد ان اقيمت من قبل النيابة وصدر بها قراران من قاضي التحقيق والاحالة باعتباره متدخلا في جناية استعمال سند مزور مع علمه بتزويره وهي غير جريمة التزوير التي بريء منها وان جريمة التدخل باستعمال السند المزور لم تبحث في الحكم السابق . 2. ان ابراز السند المزور منع العلم بتزويره من قبل مصطفى ينطبق على المادتين ( ٤٤٤ و ٤٤٥ ) من قانون العقوبات ولا يجوز اعتباره احتيالا بعد ان حكمت المحكمة عليه من أجل ذلك بمحاولة الاحتيال ولما كان المحكوم عليه احمد يطلب النقض أيضا للأسباب الآتية وهي : 1. ان المحكمة حكمت عليه بالاستناد الى شهادة أدهم وعارف مع انه لم يجر استجواب هذين الشاهدين أمام أي مرجع قضائي . 2. ان شهادة زكريا المتضمنة أنه دفع اليه زيادة عن السلفة المقررة مجردة عن كل دليل . 3. لو صح انه مختلس لكان اختلس مبالغ طائلة خلال خدمته التي بلغت سبعة وعشرين عاما 4. انه بريء قبلا من جريمة الاختلاس ولا يجوز ملاحقته ثانية بهاوكان المحكوم عليه مصطفى يطلب النقض لأسباب تتلخص بما يلي: 1. انه استقرض مبلغا من المصرف الزراعي بنية حسنة وسدده باستحقاقه وليس في هذا العمل شيء من الاحتيال2. انه حكم من أجل هذا العمل ثلاثة اشهر فلا يجوز مضاعفة العقوبة بحقه ومعاقبته مرتين لان الجريمة واحدة . 3. ان المحكمة اهملت تنزيل العقوبة بسبب التسديد خلافا للقانون في مجمل هذه الطعون : فيما يتعلق بطعون النيابة العامة ضد احمد : لما كانت محكمة الموضوع ذهبت على ما يستفاد من حكمها المطعون فيه الى عدم سماع الدعوى العامة المقامة بحق احمد بجريمة التدخل مع مصطفى بجريمة استعمال السند المزور بحجة أن احمد المذكور بريء من جريمة التزوير وان التهمة الجديدة لا تتعلق بواقعة مستقلة عن الوقائع السابقة ولم تظهر للمحكمة مجددا بعد قرار اتهامه بالجناية السابقة المتعلقة بالتزوير ، تلك الجناية التي عالجها قاضي الاحالة . وان قرار البراءة له قوة القضية المقضية بالنسبة للوقائع التي تم اقترافها قبل صدوره ولا يجوز التوسع بتطبيق احكام المادة (۳۱۳) من قانون اصول المحاكمات الجزائية ، لان التوسع يوجب انعدام الاستقرار في الاحكام القضائية لأنها تصبح عرضة لإثارتها من جديد بإشكال جديدة وأوصاف مختلفة . ولان مطالبة النيابة العامة المتضمنة ) طلب البت في الدعوى المقامة احالة المتهم احمد امامها من اجل الجرم الذي لم يتهم به سابقا ( معناها ان قرار الاحالة او قرار الحكم يتضمنان خطأ يجب اصلاحه في حين ان هذا الاصلاح على الطريقة التي تمت بها غير جائز لأنه لا يجوز اعادة النظر بالموضوع ولو ظهرت أدلة جديدة عندما يكون قرار محكمة الاساس نهائيا باعتبار أن الوقائع مادية وان القضية المقضية تحجب الاخطاء وان ادعاء النيابة العامة بجريمة التدخل الفرعي لم يكن في الحقيقة الا تحريكا لادعاء جديد بعد أن سكتت عنه في التحقيق الأول وأن للقضية المقضية صفة النظام العام ولما كان واضحا من الدعوى الاولى أنها لم تقم بحق أحمد بجريمة استعمال السند المزور او التدخل باستعماله انما اقيمت عليه بجريمة التزوير التي بريء منها في النتيجة ، وبأن النيابة العامة حركت عليه الدعوى الثانية بجريمة التدخل باستعمال السند المزور بعد أن ظهرت براءته من التزوير ولما كان حكم البراءة من جريمة التزوير لا يقيد النيابة العامة ولا يمنعها من الادعاء على من برئ من جريمة التزوير بجريمة استعمال السند المزور او التدخل بها . ولا يمكن اعتبار هاتين الجريمتين بمثابة الجريمة الواحدة ذلك ، أولا – لان ما كل من يقدم على ارتكاب جريمة التزوير مضطرا لاستعمال المزور بنفسه ليجني ثمرة التزوير وما كل من يقدم على ارتكاب جريمة استعمال السند المزور او يتدخل باستعماله ابتغاء الانتفاع أو الاضرار بالغير لا يتمكن من ارتكاب هذه الجريمة ما لم يقم بنفسه بارتكاب جريمة التزوير ، وثانيا – لان القانون جعل لكل جريمة منهما عقابا مستقلا ، وان محكمة الموضوع نفسها قررت اتباع النقض وارسال الاوراق الى النيابة العامة لاستصدار قرار من قاضي الاحالة بالجريمة الثانية ، ولا يجوز لها بعد ذلك أن تناقض نفسها وتمتنع عن سماع الدعوى الجديدة أما كونها من الجرائم المتلازمة فهو صحيح لان التزوير لم يقع الا توطئة وتمهيدا لجريمة استعمال السند المزور ، غير ان ذلك لا يحول دون اقامة الدعوى بكل منهما على حدة سيما اذا ظهرت عناصر الجريمة الثانية من ادلة الجريمة الاولى أو اذا اغفلت النيابة العامة أو قاضي الاحالة النظر بإحداها عندما تكون الدعوى العامة محركة بالجريمة الاخرى لأنه ليس في القانون ما يبرر هذا المنع ، ولان الادعاء الجديد بالجريمة الثانية يمس الادعاء الاول أو قرار قاضي الاحالة بشيء وبالتالي لا يخل بالحكم الصادر استنادا اليهما ولا ينتقص من قوة القضية المقضية فيه أصلا ، لان حكم البراءة من جريمة التزوير الذي ظل فاعله مجهولا ، لا تأثير له على جريمة استعمال السند الثابت تزويره لدى المحكمة نفسها وهذا لا يقبل القياس مع الحكم المكتسب درجة القطعية بجريمة ما ، اذا كان لعناصرها عدة أوصاف وينطبق عليها نص عام ونص خاص فعندئذ يمتنع الادعاء مجددا ببعض تلك الاوصاف لان المادة ١٨٠ من قانون العقوبات أوجبت في مثل هذه الحالة ذكر جميع الاوصاف والحكم بالعقوبة الاشد وتطبيق النص الخاص عليها لهذا فان السبب الأول من طعن النيابة العامة واردا فيما يتعلق بالجريمة المسندة إلى المحكوم عليه أحمد المذكور الصفية فيما يتعلق بطعون النيابة العامة ضد مصطفى : ولما كان جنوح المحكمة قبل النقض الى الحكم على المدعو مصطفى بجريمة الاحتيال وكف التعقيب عنه من جناية استعمال السند المزور لم يكتسب قوة القضية المقضية لان فقرة كف التعقيب عنه أجل تلك الجناية نقضت بالإعلام التمييزي الصادر في ١٩٥٧/١/٣١ ، وبما ان قبضه مبلغا من المصرف الزراعي باستعمال السند المؤرخ ١٩٥٤/٦/٦ ثم قيضه بموجب السند نفسه بعد تحريفه من المصرف ذاته مبلغا آخر أنه أحد المتعاقدين فيه يدل على علمه بالتزوير الواقع فيه سيما بعد ان ظهر ان الاستعمال الثاني وقع بعد ان أبطل مفعول ذلك السند بعقد لاحق مؤرخ في ١٩٥٤/٦/١٤ وكان ذهاب المحكمة بعد اتباعها النقض الى تنزيل جريمته هذه الى الاحتيال بحجة ان عدم جهله بأن عقد الايجار كان لسنة لا لسنتين ليس دليلا على العلم بالتزوير بل هو قرينة تنتفـ قرينة تنتفي بالنسيان وبفقدان الضرر أنما هو ذهاب لا يتفق مع الوقائع المشار اليها . وكانت المادة ٤٤٣ قانون العقوبات لا تشترط وقوع الضرر المادي حتما انما نصت على امكانية حصول ضرر مادي أو معنوي أو اجتماعي التزوير المعاقب ، وكان استعمال السند المزور وقبض المال بسببه يشكل احتيالا ، لكن وقوعه بمثل هذه الوسيلة الجنائية يجعل هذا العمل ذا عدة أوصاف وبمقتضى المادة ١٨٠ المشار اليها يجب انزال العقوبة الاشد بحقه وادغام العقوبة السابقة بها أو جمعها معها وهي العقوبة الجنحية الناجمة عن عمله الاحتيالي الاول باستعماله السند قبل التزوير رغم بطلانه بالعقد اللاحق. ولما كان ذلك كله يجعل السبب الثاني من طعون النيابة العامة أيضا واردا على ما يتعلق به من الحكم . في طعون المحكوم عليهما أحمد ومصطفى : لما كان الحكم غير متضمن خلاصة الشهادات والادلة وقد اكتفت المحكمة فيه بالإشارة الى الادلة الواردة في التحقيق والمحاكمة الأولى . وكانت الاشارة المذكورة تجعل الحكم مشوبا بشائبة البطلان المشار اليها في الحالة الثانية من كل من المادتين ۳۰ و ٣٩ من القانون ذي الرقم ٥٧ لعام ١٩٥٩ لذلك تقرر بالإجماع : قبول طعون النيابة العامة والمحكوم عليهما