تقدير توافر نية القتل من مسائل الواقع التي تستقل بها محكمة الموضوع، ولا يُراجعها قضاء النقض ما دامت قد بنت اقتناعها على وقائع ثابتة وأدلة مطروحة ومناقشة. كما أن انتفاء الدافع العدواني وقيام ظرف الهجوم المباغت قد ينفي قصد القتل ويستوجب إعادة التكييف إلى القتل غير المقصود أو التسبيب بالقتل بحسب الأحوا...
إن استخلاص النية في جرائم القتل يعود لمحكمة الموضوع، ولا معقب عليها في ذلك طالما أنها وضعت وقائع القضية وأدلتها الناهضة في الملف موضع البحث والمناقشة. المناقشة: حيث أن الطعن الحالي هو للمرة الثانية وعملا بالمادة 358 أصول جزائية يتوجب على هذه الغرفة الحكم في موضوع الدعوى.وحيث أن أحكام المادة 365 أصول جزائية واجتهاد الهيئة العامة بقرارها رقم 25 تاريخ 10/6/1958 يقضيان بأنه يتحتم على محكمة الموضوع التي تحال إليها الدعوى وعلى الغرفة ذات العلاقة في محكمة النقض مراعاة حجية الحكم الناقض، عندما يطعن في نفس القضية للمرة الثانية.وحيث أن القرار الناقض لأول مرة في هذه القضية رقم 615/201 تاريخ 25/3/2000 استثبت واقعة القضية والنتيجة من الأدلة المتوفرة في الدعوى، وانتهى وبعد تعليل كاف إلى استبعاد توفر الأركان القانونية الواردة في المادة 242 عقوبات وقضى بأن استخلاص المحكمة لثورة الغضب الشديد جاء مشوباً بفساد الاستدلال الموجب للنقض. الخ. وحيث أن الثابت من وقائع القضية التي أثبتها القرار الناقض الأول أن المتهم الطاعن كان بمفرده في أرضه الزراعية يقوم بأعمال السقاية عندما داهمه المجنى عليهم وآخرين معهم بحدود سبعة أشخاص قاموا بتطويقه كالحلقة، وبادره أحدهم وضربه بعصا على رأسه فتلقاها بيده اليسرى، فأصيب كما تشعر التقارير الطبية التي استحصل عليها الطاعن إلى إصابات رضية متعددة مع كسر في يده المذكورة وحيث أن المسافة الفاصلة بين المتهم والمهاجمين تحددها حسياً وواقعياً طول العصا التي أهوى بها المجني عليه المهاجم على الطاعن والتي لا تتجاوز المترين حتماً، بمعنى أن المتهم الطاعن لم يبادر إلى إطلاق النار باتجاه المهاجمين السبعة إلا بعد أن أصبحوا على بعد قريب جداً منه والعصي مشهورة نحوه بأيد غاضبة ثائرة بوجهه. وهنا لا بد من التحدث عن الدافع والعلة التي حملت الطاعن على إطلاق النار باتجاه المهاجمين، لأن الدافع بتعريفه القانوني فيكون من مجموع العوامل والعواطف المثيرة للفاعل التي ساقته لارتكاب الفعل، وهذا الدافع يعتبر عنصر من عناصر التجريم في جرائم القتل، ويؤثر على طبيعته ومن تحديد العقوبة وبالتالي يجب التحدث عنه بشكل مفصل وإقامة الدليل عليه. وحيث أنه ومن منطلق وقائع هذه القضية وأدلتها يتضح أن المتهم الطاعن لا توجد لديه أية دوافع عدوانية مسبقة تجاه المجنى عليهم سوى أن يتخلص من الخطر الذي وضعوه تحت سيطرته وهم السبعة وهو لوحده وقد أحاطوا به على شكل حلقة من الخطر الجاثم فوق رأسه وهم يحملون العصي ويشهرونها نحوه، والشهود أثبتوا بأنه صار يطلب إليهم برجاء وتوسل أن يبتعدوا عنه وحذرهم بأنه مسلح.والشاهدين بإفادتيهما بجلسة 21/5/1998 حيث كررا أقوالهما على محضري استجوابهما بالتحقيقين المؤرخين في 19/4/1994 موضحين الواقعة كالتالي: (. كان المدعى عليه يعمل في الأرض وقد شاهدت مجموعة من الأشخاص وبأيديهم العصي وعدهم سبعة أشخاص متجهين باتجاه الشرق، وعندما شاهدهم المدعى عليه هرب باتجاه الشرق، ولحقوا به هرولة / ركض / وعند ذلك طلب مني ولدي أن نسرع من أجل التحجيز بينهم وأسرعنا باتجاههم وقد سمعت المدعى عليه يقول لهم: / كرمال الله اكفوني شركم أشليكم عندي ويهرب منهم وطلب مني المدعى عليه أن أبعدهم عنه ويقول اكفوني شرهم ويقول لهم معي سلاح، وكان يساعدني التحجيز ولدي، ونحن نحجز وهم يهجمون باتجاهه وبيدهم العصي، ولا أسمع إلا إطلاق النار. ) حيث أطلق الطاعن من مسدسه في الهواء منذراً لهم أن يبتعدوا عنه فلم يفعلوا، وحينما رفضوا الابتعاد عنه وتابعوا هجومهم واقتربوا منه وضربه أحدهم على رأسه وكسر يده اليسرى عندئذ باشر بإطلاق النار من مسدسه من اليمين إلى اليسار خمسة أو ست طلقات تقريباً. )إذن الثابت ولدرجة القناعة أن الدافع لدى الطاعن لم يكن عدوانياً. وأن ظروف وملابسات القضية لا تشير بأي شكل من الأشكال عن توفر نية الجريمة لدى المتهم في قتل أي من المهاجمين السبعة أو إزهاق روح أي منهم، وإنما الثابت أنه أراد الفعل بإطلاق النار الذي ألجأته إليه خطورة الموقف الذي فرضه المجنى عليهم ومرافقيهم عليه ولم يريد النتيجة والاجتهاد القضائي مستقر بأن استخلاص النية في جرائم القتل يعود لمحكمة الموضوع، ولا معقب عليها في ذلك طالما أنها وضعت وقائع القضية وأدلتها الناهضة في الملف موضع البحث والمناقشة وبعد أن استمعت إلى شهود الواقعة واستوثقت من ظروفها وملابساتها التي تؤكد بأن المجني عليهم ومرافقيهم هم الذين لحقوا بالمتهم وسعوا إليه مسلحين بالعصي الغليظة وهو منفرد يقوم بسقاية مزروعاته وباشروا العدوان الصاعق عليه رغم توسلاته وهروبه أمامهم ورجائه لهم بالابتعاد عنه وإعلامهم بأنه مسلح ومحاولة الشهود التحجيز حماية للمتهم ولكن دون جدوى وهجومهم مستمر بالاقتراب منه حتى تمكن المجنى عليه بضربه بالعصا على رأسه وكسر يده اليسرى.وحيث يتحصل من مجمل ما تقدم عدم قيام أي دليل مقنع على توفر القصد أو النية لدى المتهم الطاعن في القتل أو إزهاق روح أي من المهاجمين السبعة، وبالتالي يغدو فعل المتهم الطاعن من قبيل التسبيب بالقتل دون قصد القتل المنطبق على أحكام المادة 536 وبدلالة الفقرة السادسة من المادة 543 من قانون العقوبات لكون القتل وقع على أكثر من شخصين. وحيث أنه والحال كما تقدم يغدو القرار المطعون فيه جاء مجانباً الصواب من حيث التطبيق القانوني وحري بالنقض لهذه الجهة.