إذا تعلّق النزاع بإبطال وثيقة حصر إرث صادرة عن مرجعية دينية روحية فإن ولاية النظر في إبطالها تكون للمحاكم الروحية دون القضاء الشرعي. وعند التنازع في نسب الطفل لا يُعوَّل على اليمين المتممة لإثباته، بل يجب اللجوء إلى الوسائل الفنية الحاسمة كالبصمة الوراثية متى كان ذلك لازماً للفصل في النزاع.
إن وثيقة حصر الإرث الصادرة عن المرجعية الدينية الروحية يكون النظر بإبطالها من اختصاص المحاكم الروحية، ولا ولاية للقضاء الشرعي إن اعتماد الهيئة بإثبات نسب الطفل على اليمين المتممة التي حلفتها الأم رغم أن هذه اليمين لا تصلح دليلا في القضايا الشرعية سوى ما تعلق منها بالأمور المالية، ورغم أن الواجب عليها أن تقرّر إجراء فحص للبصمة الوراثية DNA حسماً لهذا الجدل، خاصة وكان النسب حقاً من حقوق الله، ويجب التيقن من ثبوته أو نفيه بصورة حاسمة ونهائية. المناقشة: أسباب المخاصمة:. مخالفه الهيئة المشكو منها لقواعد صحة الخصومة والتمثيل. فيما يتعلق بمخالفة المادتين 121 – 138 قانون البينات. فيما يتعلق بمخالفة الهيئة المخاصمة لنص المادة 62 بينات. مخالفة الهيئة المخاصمة لأحكام المادة 59 بينات والمادة 18 من المرسوم التشريعي 26 لعام 2007. مخالفة القرار المخاصم لأحكام المادة 208 أصول مدنية. فيما يتعلق بمخالفه المادة 82 أصول مدنية. تجاهل الهيئة المخاصمة أصحاب الحقوق المتضررين من إبطال وثيقة حصر الإرث.في القانونلما كان المدعي بالمخاصمة (.) وبصفته الوريث لابنه (.) يهدف من دعواه هذه إلى إبطال القرار الصادر عن الغرفة الشرعيّة لدى محكمة النقض رقم 266 أساس 88 تاريخ 19/3/2019، بداعي ارتكاب الهيئة مُصدِرة القرار الخطأ المهني الجسيم للأسباب الوارد ذكرها.وحيث تشير وقائع الدعوى الأصلية والتي تفرّعت عنها دعوى المخاصمة هذه إلى أن المدعوة (.) قد تقدمت بدعوى إلى المحكمة الشرعية بحلب، تطلب فيها تثبيت نسب وإشهار إسلام المدعو (.) قبل الدعوى، وتثبيت زواجها منه، وكذلك تثبيت نسب الطفل، وأيضاً طلبت النفقة والمهر.واعترضت على وثيقة حصر الإرث للمرحوم (.) والصادر عن بطريركية الروم الكاثوليك.ونتيجة المحاكمة أصدرت المحكمة الشرعية بدمشق العائدية والاختصاص المكاني، غير أن الغرفة الشرعية بحلب قرارها القاضي برد الدعوى لعدم الاختصاص المحلّي لدى محكمة النقض قررت نقض القرار معتبرة أن الاختصاص لقضاء حلب بعد تجديد الدعوى أمام المحكمة الشرعيّة بحلب أصدرت هذه المحكمة قرارها والذي قضى في منطوقه بإجابة المدعية إجابة على طلباتها وتثبيت إشهار الإسلام والزواج والنسب وإبطال وثيقة حصر الإرث.وردت طلبها بالمهر والنفقة للطفل، غير أن الغرفة الشرعية الهيئة المشكو منها نقضت هذا القرار جزئياً، وألزمت المدعى عليه (.) بنفقة شهرية للطفل وأجرة حضانة للأم (.)، ونفقات علاج الطفل.ولعدم قناعة المدعى عليه (.) بما توصل إليه القرار المخاصم؛ تقدم بدعوى المخاصمة لوقوع الهيئة بالخطأ المهني الجسيم، ولما كانت المادة 494 من قانون الأصول المدنية تنص على أن تخضع لمحاكم الشرعية لقواعد الاختصاص المنصوص في هذه القانون.وحسب نص الفقرة الأولى من المادة 82 أصول مدنية يكون الاختصاص في دعاوى الحقوق الشخصيّة أو المنقولة لمحكمة موطن المدعى عليه.وحيث إنه من الثابت من أوراق الدعوى الأصلية أن المدعى عليه فيها وهو مدعي المخاصمة (.) مقيم في دمشق، بل إن المدعية أساساً (.) هدفت في استدعاء دعواها المقدّم إلى المحكمة الشرعيّة بحلب عنوان له في دمشق، وقد دفع (.) بعدم الاختصاص المحلّي لمحكمة حلب قبل إبداء أي دفع آخر.وحيث إن الهيئة المشكو منها وبقرارها الناقض أجابت عن هذا الدفع الإجابة القانونية الخاطئة، وسارت عليها أيضاً بقرارها المخاصم، رغم أن الطلبات الأصلية للمدعية وحسب لائحة دعواها هي تثبيت إشهار الإسلام، وتثبيت الزواج وتثبيت النسب، أما النفقة فهي طلب فرعي متفرّع عن هذه الطلبات الأصلية.وحيث إن الفرع يتبع الأصل وليس العكس، والاختصاص ومهما كان نوعه محلّي أم نوعي إنما يعتمد حسب الطلب الأصلي.وحيث إن القرار المخاصم لم يراع ذلك، فجاء مخالفاً للقانون مما يصيبه الخطأ المهني الجسيم. خاصة وأن الهيئة العامة لمحكمة النقض قد أحلَّت المحكمة المحال إليها الدعوى بعد النقض والغرفة ذات العلاقة في محكمة النقض من اتباع القرار الناقض، إذ جاء مخالفاً للقانون ((يراجع قرار الهيئة العامة 49 تاريخ 19/7/2002 وقرار الهيئة العامة 683 تاريخ 5/12/2004)).وحيث إن المادة 486 ق قانون الأصول المدنية قد استثنت من اختصاص المحاكم الشرعية الحالات المنصوص عليها في قانون الأحوال الشخصيّة للطوائف الروحية للروم الأرثوذكس وللروم الكاثوليك، ومحله بيان الأرثوذكس الصادر برقم 10 لعام 2003 و23 لعام 2003 و31 لعام 2006.وحيث إن طالب المخاصمة المدعى عليه بالأساس (.) وكما هو ثابت من وثائق الدعوى هو من طائفه الروم الكاثوليك الخاضعين بأحوالهم الشخصية للقانون رقم 31 لعام 2006 ، ومورثه (.) كذلك الحال.وحيث إن وثيقة حصر الإرث التي طلبت للمدعية (.) إبطالها صادرة بعد المرجعية الدينية الروحيّة لدى الروم الكاثوليك فيكون إبطالها يعود للنظر فيها إلى المحاكم الروحية لدى هذه الطائفة، ولا ولاية للقضاء الشرعي في النظر بهذا الإبطال، وذلك عملاً بالمادة 81 من قانون رقم 131 لعام 2006.وحسب المادة ١٤٧ أصول مدنية فإن الاختصاص الولائي من النظام العام وتثيره المحكمة من تلقاء ذاتها. وحيث إن الهيئة المشكو منها قد تجاوزت على هذه الولاية وتصدت لإبطال وثيقة حصر الإرث رقم 233 تاريخ 10/11/2015 رغم أنها صادرة عن المحكمة الروحية للروم الكاثوليك، وليس عن المحكمة الشرعية مما يجعلها قد خالفت نصاً قانونياً واضحاً وصريحاً، فجاء قرارها بمثابة الخطأ المهني الجسيم.وحيث إن المادة 128 من قانون الأحوال الشخصية قد نصت على أنه فيما عدا الزوجين – عند التنازع بين إثبات نسب الطفل أو نفيه؛ يتم الاستفادة من استخدام البصمة الوراثية.وحيث إن الهيئة المشكو منها قد اعترضت على تطبيق هذا النص؛ فهي اعتمدت بإثبات نسب الطفل على اليمين المتممة التي حلفتها الأم (.) رغم أن هذه اليمين لا تصلح دليلاً في القضايا الشرعية سوى ما تعلق منها بالأمور المالية، ورغم أن الواجب عليها أن تقرّر إجراء فحص للبصمة الوراثية DNA حسماً لهذا الجدل، خاصة وكان النسب حقاً من حقوق الله، ويجب التيقن من ثبوته أو نفيه بصورة حاسمة ونهائية.وحيث إن إعراض الهيئة المشكو منها عن ذلك يشكل خطاً مهنياً جسيماً لأن فيه مخالفة لنص قانوني واضح وصريح.وحيث يتعين على المحكمة مناقشة أقوال الشهود والمقبول سماعهم قانوناً، وأن تقارنها مع كافة الأدلة المتوفرة في الدعوى، ثم تخلص إلى النتيجة التي تراها وتقنع بها في ضوء أحكام القانون.وإن استخلاص الأدلة وموازنتها وترجيحها أمر متروك إلى المحكمة، إلا أن ذلك يجب أن يكون منسجماً مع الوقائع والأدلة المتوفرة في الدعوى، وإلا يكون متضارباً مع الواقع المطروح. يراجع قرار الهيئة العامة لمحكمة النقض رقم 167 تاريخ 18/10/2016، والقرار رقم 168 تاريخ 18/10/2016.وحيث إن الهيئة المخاصمة اعتمدت على أقوال بعض الشهود، والذين لا يجوز سماعهم قانوناً، نظراً لعدم بلوغهم السن القانوني بتاريخ الواقعة المشهود عليها مما يخالف أحكام المادة 59 من قانون البينات.كما أن الهيئة المخاصمة قد اعتمدت مبدأ ترجيح أقوال شهود الطرفين، الأمر الذي فيه مخالفة لواقع الدعوى بل وللادعاء بذاته، حيث أسهبت في سرد وتسبيب وترجيح أقوال شهود الإثبات وأعرضت عن تنفيذ أقوال شهود النفي رغم أنها ملزمة بالاستخلاص والموازنة والترجيح بشكل محايد ومنطقي وهذا ما توجبه المادة 62 قانون بينات، خاصة وأن هذه الواقعة التي تم سماع الشهود عليها هي من الجسامة والحساسية كونها تنصب على تغير الدين، وعلى الزواج والنسب، وهذه أمور ذات تأثير بالغ في حياة أصحاب العلاقة وعلاقة كل واحد منهم في المجتمع، أضف إلى أن هذه المسائل هي من حقوق الله سبحانه وتعالى، وهذه المسائل يقتضي من القضاء التقصي المستفيض عنها حول ثبوتها أو نفيها، ويقضي الحكم وفق قواعد القانون الراسخة وبعيداً عن الأحاسيس والمشاعر.وحيث إن الهيئة قد أعرضت عن تطبيق القانون بالنصوص الواضحة، وأهملت اجتهادات الهيئة العامة لمحكمة النقض، وهذا كله يدخل في باب الخطأ المهني الجسيم الموجب لإبطال القرار المخاصم.وسبق أنه تم قبول الدعوى شكلاً بالقرار رقم 83 تاريخ 16/10/2016.وحيث أنه ثبت تحقق أسباب قبول الدعوى موضوعاً. لذلكتقرر بالإجماع:1 – قبول دعوى المخاصمة موضوعاً وإبطال القرار المخاصم الصادر عن الغرفة الشرعية لدى محكمة النقض رقم 266 أساس 88 تاريخ 9/3/2019 2 – إلزام السيّد وزير العدل إضافةً لمنصبه بتعويض المدعي بمبلغ ألف ليرة سورية مع حفظ حقه بالعودة على القضاة المدعى عليهم بهذا التعويض.3 – إعادة التأمين لمسلفه. 4 – إعادة الملف الأصلي إلى مرجعه مشفوعاً بصورة عن هذا القرار .