يلتزم قاضي الإحالة والمحكمة الناظرة ثانيةً في ذات النزاع باتباع ما فصل فيه الحكم الناقض من تطبيق القانون على الواقعة المعروضة، حتى لو خالف اجتهاداً لاحقاً. وفي الجرائم، لا تصح الإدانة إلا إذا استقام الدليل على العناصر المادية للجريمة، ولا سيما وجود المال المزعوم وسلامة الاستدلال على اختلاسه.
يتحتم على محكمة الموضوع التي تحال إليها الدعوى، وعلى الغرفة ذات العلاقة في محكمة النقض مراعاة الحكم الناقض عندما يطعن في نفس القضية للمرة الثانية متى فصل الحكم الناقض في تطبيق القانون على واقع مطروح على المحكمة ولو كان يتعارض مع اجتهاد أحدث أو اجتهاد أقرته الهيئة العامة لمحكمة النقض والعدول عن كل اجتهاد مخالف المناقشة: حيث أن توجهات القرار الناقض لأول مرة رقم 1179/1258 تاريخ 9/6/2002 تقضي بأن المادة 176 أصول جزائية قد أوجبت على المحكمة ألا تعتمد من الأدلة إلا تلك التي أدلى بها أمامها وتناقش فيها الخصوم ولما كانت المحكمة المطعون بقرارها قد اعتمدت في إدانة الخصوم على الأقوال الواردة أمام قاضي التحقيق ولم تتعرض للأقوال الواردة أمامها مما يجعل قرارها عرضة للنقض – انتهى القرار الناقض – وحيث أن الثابت من مجمل الأدلة الناهضة في ملف القضية ولا سيما إفادة الشهود المستمعين أمام المحكمة وجود خلاف مدني بين الطاعن والمطعون ضده حول ملكيته إحدى غرف العقار الذي باعه المطعون ضده إلى الطاعن. وقد أشار بعض الشهود على أن الغرفة المذكورة هى بحيازة الطاعن وتأكد من شهود جلسة 12/6/2001 أن الغرفة لا يوجد بها أي بضاعة وإنما مجرد كراتين وخردة وأوضح الشاهد بأن المحل لم يكن مغلق ولا يوجد عليه أية أقفال وفتحه بمسكة الباب.وأوضح الشاهد بجلسة 25/4/2001 أن الطاعن اشترى هذا العقار، ولا يعرف شيء عن موضوع السرقة التي يدعيها المطعون ضده والطاعن اشترى العقار منه والغرفة جزء من العقار وتشكل مدخلاً رئيسياً منه. والطاعن هو الذي وضع يده على الغرفة وبجلسة 24/10/2000 أفاد الشهود بأن المطعون ضده أخبرهما بسرقة الأغراض من الغرفة ولا يعرفان شيئاً عن هذه السرقة وأكد الشاهد بأنه لم يسمع بالسرقة المنسوبة إلى الطاعن.وحيث أن السرقة هي أخذ مال الغير دون رضاهوحيث أنه من الثابت وبالأدلة الكافية أن الخلاف الناشب بين الطاعن والمطعون ضده مستحكم بينهما حول شمول المبيع لإحدى غرف العقار الذي باعه المطعون ضده للطاعن . ولم يتوفر الدليل على وجود أية بضاعة ضمن الغرفة موضوع الخلاف والثابت أن المطعون ضده صار يوحي ويوهم الشهود بأن المتهم الطاعن سرق له الأغراض من الغرفة دون أن يشاهدوا شيئاً، كما لم يتوفر أي دليل على وجود هذه الأغراض أو تحديد نوعيتها وماهيتها أو كميتها أو مواصفاتها.وحيث أن تلك الأغراض المزعومة في مجال بحث العناصر القانونية لجرم السرقة تعتبر بمثابة جسم الجريمة وبانتفاء الدليل على الجسم المادي لجرم السرقة تبقى العناصر القانونية للسرقة المنسوبة إلى المتهم غير ثابتة أو متوفرة وبالتالي يصبح الجرم المنسوب إلى الطاعن غير مرتكز إلى أساس قانوني.وحيث أنه وإن كان تقدير الوقائع والأدلة من صلاحية محكمة الموضوع إلا أن ذلك منوط بسلامة التقدير وحسن الاستدلال وحيث يتضح مما تقدم أن المحكمة مصدرة القرار الطعين لم تلتزم الدقة والتجرد في بحث الأدلة كما لم توازن بينها وأخطأت في تدقيق وتمحيص الأدلة مما يجعل قرارها مشوباً بالخطأ في الاستخلاص والتطبيق القانوني ويتعين نقضه.