إذا كانت العلاقة بين المزارع والتاجر من الالتزامات ذات الصفة المزدوجة، انطبقت في مواجهة التاجر قواعد الإثبات التجارية، فيجوز إثبات الالتزامات التجارية والبراءة منها بالشهادة، ولا يجوز قصر الحجية الكتابية على ما ثُبّت بسندٍ مستقل لتشمل ما لم يرتبط به من معاملات أخرى.
ان البينة الشخصية جائزة في الالتزامات ذات الصفة المزدوجة المتكونة بين المزارع والتاجر .تعتبر العلاقة الكائنة بين المزارع والتاجر من الالتزامات المزدوجة التي تطبق بشأنها قواعد الإثبات التجارية بالنسبة للمدعى عليه التاجر بحكم المادة 54 من قانون البينات التي نصت على جواز أثبات الالتزامات التجارية والبراءة منها أطلاقا بالشهادة . المناقشة: تقدم المدعيان عبد الله وسلمان الى المحكمة الابتدائية بدير الزور باستدعاء مؤرخ ١٩٥٧/٢/١٧ ادعيا فيه أنهما تعاقدا مع المدعى عليه محمد منير في بداية الموسم الزراعي لعام ١٩٥٦ على أن يقدم لهما ما يحتاجانه من بذار وزيوت من أجل مشاريعهما الزراعية على أن يوردا جميع حاصلاتهما اليه لبيعها بواسطته لقاء عمولة تجارية على عمله فضلا عن الفوائد الفاحشة التي فرضها عليهما ، وانه تبين في نهاية الموسم المذكور ان المدعى عليه قدم لهما ما قيمته مع الفوائد ٢٠٤١٥٤ ليرة سورية وانهما قبل انتهاء الموسم وتوريد منتوجاتهما الى المدعى عليه اتفقا معه على أن يؤجل لهما مبلغا قدره مائة ألف ليرة سورية بموجب سند منظم ومقسط على ثلاثة اقساط ، القسط الاول وقدره عشرة آلاف ليرة يدفع في كانون الثاني ١٩٥٧ والثاني وقدره خمسة عشر الف ليرة يدفع في نهاية نيسان ١٩٥٧ والثالث وقدره خمسة وسبعون الف ليرة يدفع في نهاية الموسم الصيفي لعام ١٩٥٧ على أن التأخير في دفع قسط من الاقساط يوجب استحقاق تمام المبلغ ، وانهما وردا اليه في نهاية الموسم ما قيمته ۱۲۷۱۱٥ ليرة سورية ومبلغ عشرة آلاف ليرة سورية الذي قبضه من البنك السوري تسديدا للقسط الأول ، وعلى أساس ذلك يكون المدعيان دفعا الى المدعى عليه ۱۲۷۱۱۵ ليرة قيمة المنتوجات الموردة اليه ومبلغ ۱۰۰۰۰۰ ليرة قيمة السند و مبلغ ۱۰۰۰۰ ليرة لقاء القسط الاول أي مبلغا اجماليا قدره ۲۳۷۱۱۵ ليرة سورية ، وانه زاد لهما بذمة المدعى عليه ، بغض النظر عن مبلغ التسعين ألف ليرة التي لم تستحق بعد بموجب السند المنظم ، مبلغ قدره ٢٢۹۹۱ ليرة سورية ، غير ان المدعى عليه أنكر قبضه للعشرة آلاف ليرة سورية عن القسط الأول والمبلغ الزائد لهما بذمته ، ووضع السند موضع التنفيذ مطالبا بتمام المبلغ لعدم دفع القسط الاول حسب زعمه وجادا بإنجاز المعاملة الاجرائية لبيع أملاكهما تسديدا لدينه، ولذلك قدما يطلبان الحكم بمنع معارضتهما بالعشرة آلاف ليرة سورية ووقف تنفيذ السند المنظم والزام المدعى عليه بدفع المبلغ الباقي لهما بذمته . وبنتيجة المحاكمة ، تبين للمحكمة ان سند الدين المنظم المؤرخ ١٩٥٦/١٢/٢ موقع من المدينين اللذين اقرا بحضور الكاتب بالعدل بقبضهما من المدعى عليه مبلغ مائة ألف ليرة سورية عدا ونقدا وان لمثل هذا السند حجية مطلقة تجاه الناس كافة بما دون فيه من أفعال مادية ، وأن ادعاء المدعين بأن السند المنظم جزء من التعامل الواحد بين الفريقين مخالف ومناقض لقوة هذا السند الرسمية القانونية الذي رتب في ذمة المدعيين التزاما نقديا مستقلا قائما بذاته ولا علاقة له البتة بالمعاملات الاخرى الجارية بين الطرفين ولورود عباراته جازمة قاطعة بدين قبض عدا ونقدا بحضور الموظف العام ، وان المدعيين لم يتقدما الى المحكمة بوثيقة خطية تثبت دفعهما القسط الأول من الدين الموثق ، وعليه قضت بتاريخ ١٩٥٧/٤/١١ برقم أساس ۱۰۲ وقرار ۳۷ برد دعوى الجهة المدعية والغاء قرار وقف الاجراءات التنفيذية على أموال الجهة المدعية لصالح المدعى عليه تأمينا وضمانا لوفاء دينه عليهما الموثق بالسند المؤرخ ١٩٥٦/١٢/٢ والعودة الى متابعة هذه الاجراءات وتضمينها الرسوم والمصاريف . ولما لم يقتنع المدعيان بهذا الحكم استأنفاه طالبين فسخه وتبين لمحكمة الاستئناف أن الادعاء يرمي الى طلب اجراء التقاص بين طلب المستأنف عليه المستحق وبين الدفوعات المسلمة اليه والفائضة عن مطالبه المتحققة بذمة الجهة المستأنفة طلب اثبات الدفوعات الواقعة بالبينة الشخصية ، وبما أن طبيعة علاقة الطرفين الموثقة بسند خطي تلزم الطرف المدعي بإثبات الوفاء بدليل يقابله ، وبما ان دفاتر التجار حجة على أصحابها قررت المحكمة تكليف المستأنف عليه ابراز دفاتره فأبرز نسخة طبق الاصل عن دفتر الاستاذ الخاص بحساب المستأنفين مصدقة من قبل وكيلي الطرفين وان الخبير الذي عينته المحكمة بين في تقريره أن الجهة المستأنفة لم تورد شيئا للمستأنف عليه بعد تحرير السند أي بعد الثاني كانون الأول ١٩٥٦ ، وان المستأنف عليه حلف اليمين الحاسمة على نفي قبضه مبلغ العشرة آلاف الليرة السورية وأن المستأنفين عجزا عن اثبات ايصال الحاصلات الى المستأنف عليه وامتنعا عن تحليف خصمهما اليمين المصورة من قبل المحكمة على نفي هذه الواقعة وعليه أصدرت الحكم المطعون فيه المتضمن تصديق الحكم المستأنف وتضمين المستأنفين الرسوم والمصاريف النظر في الطعن : ان دائرة المواد المدنية والتجارية لدى محكمة النقض ، بعد اطلاعها على استدعاء الطعن المؤرخ في ١٩٥٨/٥/٣١ ، وعلى القرار الصادر في ٥/١٨/ ١٩٦٥ بإحالة الطعن الى هذه الدائرة ، وغب الاستماع الى تقرير المستشار المقرر في الجلسة المعقودة للنظر في هذا الطعن ، اتخذت القرار الآتي من حيث ان الطاعن يعتمد في طلب نقض الحكم على الاسباب التي يمكن تلخيصها بما يأتي: 1. ان الحكم خالف المادة ۲۰٦ من قانون الاصول اذ لم يتضمن صفات كل من الخصوم وموطنهم ولا خلاصة ما قدم من دفوع وطلبات لان دعوى المدعية انحصرت بالزام المدعى عليه بمبلغ ۳۲۹۹۱ ل.س فجاء الحكم مشوها هذا الطلب عندما صور الدعوى بأنها قائمة على اجراء المقاصة ، وقد تنتج عن هذا التصوير الخاطئ وقوع الحكم في أخطــاء تعيبه وتستوجب نقضه . 2. ان الحكم المطعون فيه قد أخطأ حينما رد طلب الجهة الطاعنة اثبات ما تم توريده من الحاصلات بالبينة الشخصية في حين أن هذه البينة جائزة القبول في الالتزامات ذات الصفة المختلطة ، غير ان المحكمة ذهبت الى القول أن الدفع بالوفاء ضد سند منظم لا يجوز اثباته الا بالكتابة مع أن الدفع بالوفاء ضد هذا السند اقتصر على مبلغ العشرة آلاف ليرة التي جرى الحلف عليها ، وطلب الاثبات تناول ما تم توريده من حاصلات . في مناقشة السبب الأول : من حيث أن الحكم قد تضمن أسماء الخصوم ومحل اقامتهم بصورة لا تدع مجالا للتجهيل في أشخاصهم ومن حيث أن الحكم تضمن في فصل الوقوعات عرضا وافيا لوقائع الدعوى ومطاليب الجهة المدعية بصورة تتفق مع استدعاء الدعوى ولا تتضمن تشويها له ، فان الطعن من هذه الناحية يستوجب الرفض. في مناقشة السبب الثاني : من حيث ان الجهة المدعية تدعي أنها اتفقت مع المدعى عليه المطعون ضده على أن يقدم لها ما تحتاجه من بذور وزيوت في مشاريعها الزراعية مقابل تقديمها له جميع المحاصيل الزراعية الناتجة عن هذه المشاريع لبيعها وتقاضي العمولة التجارية عنها ، وان هذا المدعى عليه قدم لها مبلغا قدره ٣٠٤١٤٥ ل . س ثم تم الاتفاق قبل انتهاء الموسم على أن يؤجل مبلغا قدره مئة الف ليرة سورية بموجب سند منظم لدى الكاتب بالعدل مشروط الدفع فيه على ثلاثة أقساط تستحق بكاملها عند التأخير في وفاء احدها وعلى أن تستمر الجهة المدعية بتوريد منتجاتها لتسديد بقية الحساب ، وهكذا وردت من الحاصلات ما قيمته ۱۲۷۱۱٥ ليرة سورية ودفعت عن طريق البنك عشرة آلاف ليرة القسط الأول من السند ، وطلبت أولا منع معارضة المدعى عليه لها ببدل القسط الأول ابطال مع الاجراءات المتخذة في دائرة التنفيذ بشأن هذا السند على اعتبار أن الاقساط الباقية لم تستحق ، وثانيا الزام المدعى عليه بدفع مبلغ قدره ۲۲۹۹۱ ليرة سورية وهو المبلغ الذي ترتب بذمته بنتيجة الحساب الجاري بينهما والحاصل من طرح المدفوع من المقبوض من قبله ومن حيث أن المحكمة التي رفضت سماع البينة الشخصية تأسيسا على أن جزءا من الدين قد ربط بسند منظم وانه لا يجوز اثبات الوفاء في مجموع العلاقات الا بالدليل الكتابي توفيقا لحكم المادة ٥٥ من قانون البينات قد أخطأت في أعمال هذه القاعدة على المطلب الثاني لان العلاقة الكائنة بين المدعي المزارع وبين المدعى عليه التاجر تعتبر من الالتزامات المزدوجة التي تطبق بشأنها قواعد الاثبات التجارية بالنسبة للمدعى عليه التاجر بحكم المادة ٥٤ من قانون البينات التي نصت على جواز اثبات الالتزامات التجارية والبراءة منها اطلاقا بالشهادة . ومن حيث أنه يخلص من ذلك أن طلب اثبات ما تم توريده من زراعية بالبينة الشخصية مقبول وان الدفع بالوفاء ضد السند المنظم قصره على مبلغ العشرة آلاف ليرة التي انحسم الخلاف بشأنها بحلف اليمين على اعتبار أن الاتفاق على ربط جزء من الدين بسند يستلزم حصر قاعدة الاثبات الكتابية في هذا السند بصورة لا تتعداها الى ما تبقى من العلاقات التي لم ترتبط بسند والتي تحكمها قواعد الاثبات العامة ، ومن حيث ان الحكم المطعون فيه برفضه سماع البينة الشخصية في اثبات ما تعلق بالمطلب الثاني يكون قد خالف قواعد الاثبات بصورة تعرضه للنقض الجزئي من هذه الناحية فقط عملا بالمادتين ۱ و ۲۲ من القانون ٥٧ لعام ١٩٥٩ لذلك حكمت المحكمة بالإجماع : 1. ينقض الحكم المطعون فيه نقضا جزئيا فيما يتعلق برد دعوى المطعون ضده بدفع مبلغ ۲۲۹۹۱ ليرة المدعى ترتبها بذمته نتيجة للحساب ورفض الطعن الموجه الى رد الدعوى بشأن المطلب الاول . 2. احالة القضية الى المحكمة مصدرة الحكم للعمل على اتباع النقض