العقد بالمراسلة ينعقد انعقاداً تاماً بتبادل الإيجاب والقبول متى انصبت المكاتبات على العناصر الجوهرية للعقد ولم يبقَ ما يحتاج إلى مجلس عقد، ويغني عن الإنذار كل تصرف أو تصريح من المدين يكشف بوضوح عن نكوله عن التنفيذ أو امتناعه عنه.
ان العقد بالمراسلة يعتبر تاما اذا ثبت انعقاده بالرسائل المتبادلة بايجاب وقبول ان الغاية من توجيه الإنذار هي اثبات نكول المدين عن تنفيذ التزامه فاذا صدر عنه ما يفيد انه لايريد القيام بالتزامه اصبح الإنذار عديم الجدوى المناقشة: ادعى وكيل شركة عابديني وشركاه على وزارة الملل والمديرية العامة لمكتب الحبوب لدى محكمة البداية المدنية في دمشق قائلا، انه بتاريخ ١٩٤٨/٧/١٢ ارسلت الشركة المدعية الى وزارة المالية كتابا يتضمن عرضا بشراء خمسين الف طن من الحنطة بغية تصديرها الى ايطاليا بسعر الطن ١٥٩ دولارا واصل على ظهر الباخرة في مرفأ سوري او لبناني على ان يكون التسليم مشاهرة خلال اشهر آب وايلول وتشرين الأول وتشرين الثاني من عام ١٩٤٨ وعلى ان يفتح اعتماد من قبل الشركة بقيمة البضاعة بالدولارات الاميركية بواسطة بنك محلي ويدفع الاعتماد مقابل تسليم وزارة المالية بوالص الشحن للبنك وقد أرفقت الشركة كتابها هذا بشيك على المصرف الوطني للتجارة قيمته مائة الف ليرة سورية تأمينا للعرض المذكور وقد وافقت وزارة المالية على هذا العرض ثم ارسلت وزارة المالية للشركة كتابا مؤرخا في ١٩٤٨/٨/٢٤ رقم ٢٢/٩٣٥٠ يتضمن ما يلي ) عطفا على كتابنا رقم ٢٠/٨٨٦٣ المؤرخ في ١٩٤٨/٨/١٥ لم تتبلغ حتى الساعة الثانية بعد ظهر يوم السبت الواقع في ١٩٤٨/٨/٢١ ما يفيد قبولكم بالشرط المنوه عنه في كتابنا المذكور لقاء موافقتنا مع تمديد المهلة المحددة لتنظيم العقد مدة شهرين لذلك فقد اعتبرناكم غير موافقين على الشرط المذكور وقررنا بالتالي مصادرة تأمينكم ودمتم ) ولأسباب بينها في استدعاء الدعوى يطلب دعوة الجهة المدعى عليها للمحاكمة والحكم عليها بان تدفع للشركة المدعية مبلغ مائة الف ليرة سورية مع الفائدة القانونية اعتبارا من تاريخ الطلب وتضمينها الرسوم والمصاريف والأتعاب وفي نتيجة المحاكمة تبين للمحكمة ان الايجاب والقبول وتحديد مدة من قبل الشركة والوزارة يجعلان العقد الذي تم بالمراسلة التي هي من الطرق القانونية مبرما ابراما مطلقا وان الوزارة وافقت على طلب الشركة تمديد المهلة حتى ١/٢٩/ ١٩٤٨ شرط تنزيل المقادير التي تبيعها من الحنطة خلال هذه المدة من أصل الكمية المتعاقد عليها والا فتعتبر يوم ٩٤٨/٨/٢١ المعين بعد التمديد الاول نهاية المدة المحددة لتنظيم العقد وان الشركة بعد تخلفها عن ارسال الجواب في الموعد المعين لم تكن موافقتها التي جاءت متأخرة عن موعدها ذات جدوى وبما ان الايجاب وقع بتاريخ ٩٤٨/٧/١٢ والقبول وقع بعد يومين وفي غير مجلس العقد وان التأمين المدفوع من الجهة المدعية هو عربون على الصفقة لا من أصل ثمنها وان الجهة المدعية هي التي عدلت عن الشراء بدليل تقديمها بكتابها المؤرخ في ٩٤٨/١٠/٢٩ عرضا جديدا بسعر ينقص عن السعر المتفق عليه وان هذا النكول من قبلها يعتبر فسخا للعقد قابلته الجهة المدعى عليها بمصادرة التأمين وان كتاب الوزارة المؤرخ في ١٩٤٨/٨/٢٤ المتضمن اعتبار الشركة رافضة لشرطها المذكور يعتبر قائما مقام الاعذار فان تنفيذ الالتزام قد أصبح غير ممكن بفعل الجهة المدعية وعلى ذلك قررت بتاريخ ١٩٥٤/١٢/٢٣ الحكم برد دعوى الجهة المدعية وتضمينها الرسوم والمصاريف والأتعاب. فاستدعى وكيل الشركة المدعية استئناف هذا القرار لدى محكمة الاستئناف المدنية بدمشق طالبا فسخه وفي نتيجة المحاكمة تبين لمحكمة الاستئناف ان العقد المتفق عليه من الطرفين بالمراسلة منبرم بحكم المادة ٩٦ من القانون المدني، وان المراسلات الجارية بعد تاريخ ٩٤٨/٧/١٦ بطلب التمديد والموافقة عليه ووضع شروط جديدة الى آخر ما هناك لا يؤثر على العقد في شيء وليس فيه ما يوجب فسخه لان تلك المراسلات التي شكلت عقدا تاما تضمنت ايجابا وقبولا قطعيين لا وعدا بالتعاقد فحسب وان المبلغ المرفق بكتاب العرض كتأمين لتنفيذ العقد قد خرج عن حكم التأمين وحكم العربون بعد تعديل هذه الناحية بطلب ابلاغ التأمينات الاصلية الى ۳۵۰۰۰۰ ليرة سورية في حال عدم فتح الاعتماد خلال المدة المحددة وبذلك اصبح التأمين تابعا لحكم هذا الاتفاق الجاري بين الطرفين لا يجعل شرط مصادرة التأمين مستحقا للخزينة الا بحالة عدم فتح الاعتماد المالي خلال شهر واحد على الأكثر اعتبارا من تاريخ العقد مما لم يحصل شيء منه اطلاقا، الأمر الذي يجعل مصادرة التأمين من قبل الوزارة مخالفا للشرط الذي وضعته ومخالفا للقانون ايضا اذ كان يجب عليها بالنظر لفقدان الاتفاقية من شرط مقيد لمثل هذه الحال ان تقوم بإنذار الشركة بوجوب التنفيذ خلال مدة تعينها تحت طائلة تضمينها العطل والضرر، وبما ان هذا النوع من التأمين قد وضعت له شروط خاصة لم تتحقق فان القرار المستأنف الذي اعتبر المبلغ بمثابة العربون يستوجب الفسخ وعلى ذلك قررت بالتاريخ المذكور اعلاه فسخه ومنع وزارة المال معارضة الشركة المستأنفة بمبلغ التأمين المدعى به واعادته اليها مع الفائدة القانونية اعتبارا من تاريخ الطلب الواقع في ١٩٥٣/٤/١٧ حتى تمام الدفع واعادة التأمين الى مسلفه وتضمين الوزارة أتعاب المحاماة واعفائها من الرسوم لأنها دائرة رسمية. ولما لم تقتنع الجهة المدعى عليها المديرية العامة لمكتب الحبوب ووزارة المال بهذا الحكم طعنت فيه بطريق النقض، وبنتيجة التدقيقات التمييزية تبين لمحكمة التمييز أن محكمة الاستئناف بنت حكمها على ضوء نصوص القانون المدني غير ان الكتب المتبادلة بين الطرفين والتي هي أساس العقد جرى تبادلها قبل تطبيق أحكام القانون المشار اليه وان المحكمة المذكورة لم تبحث في حكمها ما أوردته الجهة المميزة في مذكرتها المؤرخة في.من ان التأمينات منها أصلي ومنها اضافي وان كلا منهما يدفع في مرحلة منفصلة عن الأخرى ولكل منهما أحكام خاصة وعلى ذلك نقضت الحكم المطعون فيه بتاريخ ۲۰ حزيران ١٩٥٧ بقرار رقم اساس ١٨٥ وقرار ٣٤٣، وبنتيجة المحاكمة بعد النقض تبين لمحكمة الاستئناف من الكتب والبرقيات المتبادلة بين الطرفين ان عقد شراء الحنطة تم بنقاطه الأصلية والفرعية، وان الشركة المستأنفة لم ترسل جوابا على كتاب وزارة المالية المؤرخ في ۱۹٤۸/۸/۱٥ المتضمن الموافقة على تمديد مهلة تنظيم العقد حتى غاية ١٩٤٨/٩/٢٩ بعد ان كانت وافقت على تمديد هذه المهلة الى ١٩٤٨/٨/٢١ وان سكوت الشركة يجعل الوزارة بحل من الموافقة على التمديد لغاية ١٩٤٨/٩/٢٩ ويخولها الحق بأن تعتبر تاريخ التمديد المتفق عليه سابقا حدا نهائيا لتنفيذ العقد وان تتخذ الإجراءات التي تراها مناسبة للمحافظة على حقوقها، وان النكول عن العقد المربوط بعربون لا يحتاج الى انذار على ان يثبت الطرف الآخر عدم توفر أسباب استحقاقه، وان الشركة بسكوتها عن جواب وزارة المالية وعدم إرسالها مندوبا عنها لتنظيم العقد و بعدم اظهار رغبتها فيما بعد في استلام الحنطة وفقا للشروط المتفق عليها تعتبر ناكلة العقد عن ولم تبرر هذا النكول، وان المالية أضافت على التأمين الذي قدمته الشركة بمبلغ مائة الف ليرة تأمينات اضافية قدرها ۲۵۰ ليرة وخولت لنفسها حق مصادرة التأمين الاصلي والاضافي في حال عدم فتح الاعتماد خلال المدة المحددة وذلك لمضاعفة القيود على الشركة وضمانا لتنفيذ العقد وعليه أصدرت الحكم المطعون فيه المتضمن تصديق الحكم المستأنف النظر في الطعن: ان دائرة المواد المدنية والتجارية لدى محكمة النقض بعد اطلاعها على استدعاء الطعن المؤرخ في ١٩٥٨/١١/١٢ وعلى القرار الصادر في ١٩٦٠/٦/٢١ بإحالة الطعن الى هذه الدائرة وغب الاستماع الى تقرير المستشار المقرر في الجلسة المعقودة للنظر في هذا الطعن اتخذت القرار الآتي. من حيث ان الطاعن يعتمد في طلب نقض الحكم على الأسباب التي تلخص بما يأتي: 1. ان المحكمة أخطأت في اعتبارها العقد تاما لان وزارة المالية لم تقبل عرض الشركة كما ورد اليها بل عدلت شروط التعاقد لجهة مقدار التأمينات مع تحديد الزمن الذي يجب ان فيه توقيع العقد وفتح الاعتماد وان الشركة في جوابها على هذا العرض الجديد اكتفت بإعلان تسلمها له ووعدت بإرسال مديرها المفوض لدمشق الاتمام العقد وفق هذه الأسس مما يجعل العقد غير تام والحكم المطعون فيه مستوجب النقض من هذه الجهة 2. ان الحكم أخطأ فيما قضى به من ان الانذار غير مستوجب في العقود التي تربط بعربون ذلك ان العربون لا يخرج عن كونه مبلغا من المال يدفع لتأمين المتعاقد الآخر على حقه بالعطل والضرر فهو من قبيل التضمينات التي أوجبت المادة ١٠٦ من قانون اصول المحاكمات العثماني ارسال اعذار قبل سماع دعوى المطالبة بها فضلا عن ان مجلة الأحكام العدلية له تبحث بالعربون ولم تتضمن بالتالي نصا يعفي من يطالب به من توجيه الانذار الى الخصم 3. ان المحكمة استخلصت من عدم جواب الشركة الطاعنة على كتاب الوزارة قيام حق الوزارة بسحب قبولها بتمديد المهلة حتى ٢٩ ايلول مع ان الثابت من الاوراق ان الشركة طلبت من الوزارة تمديد المهلة حتى التاريخ المذكور وقد وافقت لوزارة على هذا التمديد فلا يطلب من الشركة ان توافق على هذه الموافقة التي تمت بناء على طلبها. في مناقشة السبب الاول: من حيث ان الوقائع التي استثبتها الحكم المطعون فيه تفيد ان الشركة الطاعنة تقدمت بعرض الى الجهة المطعون عليها بشراء صفقة من الحبوب بمواصفات وشروط عينتها وثمن حددته وأرفقت عرضها بتقديم شيك بمبلغ مئة الف ليرة تأمينا على هذا العرض، وان الجهة المطعون عليها وافقت مبدئيا على هذا العرض وادخلت عليه تعديلات رضيت بها الجهة الطاعنة بصورة مطلقة والتقت إرادة الطرفين على ايفاد مندوب عن الشركة خلال مدة محددة لتوقيع العقد ومن حيث ان الحكم المطعون فيه استخلص من هذه الوقائع ان الاتفاق الجاري على الشكل المذكور يعد عقدا تام الاركان لأنه كان يترتب عليه مساءلة الجهة الطاعنة عن النتائج التي نجمت بسبب النكول عن تنفيذ أحكامه ومن حيث ان ما ذهب اليه الحكم انما يتفق مع منطوق الرسائل المتبادلة التي تضمنت الاتفاق على جميع المسائل المتعلقة بعقد البيع من تحديد للثمن وتعيين كمية المبيع واوصافه والمدة التي يتم خلالها قبض الثمن وتسليم المبيع دون ان يبقى هناك نقطة خلافية تحتاج الى الاجتماع لحلها فيكون ما توافق عليه الطرفان من ايفاد مندوب الطاعنة لتوقيع العقد عملية توثيق صرفة حرصت الجهة المطعون عليها على اجرائها لتتخذ من العقد الخطى أساسا للمعاملة الرسمية ومن حيث العقد في مثل هذه الحالة يعتبر تاما بدون هذا الإجراء بعد ان ثبت انعقاده بالرسائل المتبادلة بإيجاب وقبول وفق ما نصت عليه المادة ١٧٣ من مجلة الأحكام العدلية التي تسود واقعة الدعوى فيكون ما اورده الطاعن في هذا السبب متعين الرفض في مناقشة السببين الثاني والثالث: من حيث ان الجهة المطعون عليها في جوابها على عرض الشركة الطاعنة احتفظت لنفسها في البند الرابع بحق مصادرة التأمينات في حال نكول الطاعنة عن تنفيذ شروط العقد ومن حيث ان الجهة الطاعنة في كتابها المؤرخ في ١٦ تموز ١٩٤٨ وافقت على شروط الجهة المطعون عليها دون تحفظ. ومن حيث ان مفاد هذا الشرط الذي تلاقت عليه إرادة الطرفين ان تكون التأمينات المدفوعة سلفا بمثابة تعويض متفق عليه بصورة مسبقة تستحقه الجهة المطعون عليها بمجرد نكول الطرف الآخر تطبيقا لأحكام المادة ٦٤ المعدلة من قانون اصول المحاكمات العثماني ومن حيث ان ما دفعت به الطاعنة لجهة عدم جواز سماع الدعوى قبل توجيه الانذار فانه لا ينال من الحكم المطعون فيه ذلك ان الغاية التي استهدفها المشترع من توجيه الانذار انما هي إثبات نكول المدين عن تنفيذ التزامه فاذا صرح بما يفيد انه لا يريد القيام بالتزامه أصبح الانذار عديم الجدوى ومن حيث ان الحكم الابتدائي المصدق استئنافا قد استثبت هذه الناحية من واقع اقرار الجهة الطاعنة الخطي في كتابها المؤرخ في ١٩٤٨/١٠/٣٩ الذي تضمن عرضا جديدا بسعر جديد ينقص عن السعر المتفق عليه واستخلص ذلك ان الصفقة المتفق عليها لم تعد تناسب الجهة الطاعنة مما دعاها الى النكول والعدول. ومن حيث ان ما استخلصه الحكم في هذا الصدد لا يتنافى مع الوقائع الثابتة في الدعوى ولا يتضمن تشويها لمقاصد الطرفين في رسائلهما المتبادلة. ومن حيث ان اعلان المشتري للبائع بعدوله عن العقد يجعل هذا الآخر في غنى عن توجيه الانذار بعد ان استبانت ارادته واضحة في عدم تنفيذ العقد ومن حيث ان ثبوت نكول الجهة الطاعنة على الوجه المذكور يجعل ما تأخذه على الحكم المطعون فيه في السبب الثالث مردودا ذلك لأنه بفرض وجود حق لها في تمديد المهلة حتى ۲۹ ايلول ١٩٤٨ فان نكولها قد استمر الى ما بعد انقضائها مما يبدو معه ان الطعن غير قائم على أساس من القانون وبالتالي فانه حري بالرفض تطبيقا لحكم المادتين ۱ و ۲۳ من قانون حالات وإجراءات الطعن رقم ٥٧ لسنة ١٩٥٩ لذلك: حكمت المحكمة برفض الطعن