السلطة التقديرية لرئيس محكمة الجنايات في إجراءات كشف الحقيقة سلطةٌ استثنائية ومكملة، تمارس ضمن حدود القانون وبشرط ألا تتعارض مع حكم أو قرار قضائي سابق بتّ في ذات المسألة.
إلى المحامي العام في حمص يتضح من الرجوع الى أحكام المادة 265 من قانون أصول المحاكمات الجزائية أن رئيس محكمة الجنايات يتمتع بسلطة يكون له بمقتضاها الحق في أن يتخذ من تلقاء نفسه جميع التدابير التي يراها مؤدية لاكتشاف الحقيقة، وإن القانون يكل الى ضميره وشرفه بذل غاية جهده في سبيل هذا الأمر. وبمقتضى هذه السلطة التي تدعى بالسلطة الشخصية أو التقديرية (Le Jsowoir dis er‚tionnoire) ، لرئيس المحكمة أن يجلب قبل المحاكمة أو أثناءها أي شخص كان لسماعه ولو بطريقة الاحضار، وأن يطلب الأوراق والأشياء التي تكون مداراً لظهور الحقيقة، وله أن ينيب لسماع الشهود الذين يقيمون خارج مركز المحكمة (م 266 من قانون الأصول). وهذا التعداد ورد على سبيل المثال، أي لرئيس المحكمة الحق باتخاذ أي اجراء في سبيل الوصول الى الهدف المنصوص عليه في المادة 265 المتقدمة. إلا أنه لا يحق لرئيس المحكمة، وبداعي استعمال السلطة التقديرية المقررة له أن يخالف ما ذهبت اليه هيئة المحكمة وقررته، فإذا ما قررت هذه عدم اجراء الخبرة مثلاً في موضوع من الموضوعات، ما جاز لرئيس المحكمة أن يقرر خلاف هذا الأمر وإلا كان من شأن ذلك النيل من القرارات الصادرة عن المحكمة في قضاء الخصومة وهو أمر غير جائز قانوناً. إن هذا الموضوع استقر عليه الاجتهاد، فقد ذهبت محكمة النقض بشأن السلطة التقديرية الى أن لرئيس محكمة الجنايات أن يأمر بإجراء الخبرة، شريطة ألا تكون المحكمة قد سبقته الى ذلك، إذ لا يحق عندئذ للرئيس نقض ما تم من قبل المحكمة، وإنما يعود عند ذلك هذا الحق لكامل هيئة المحكمة (قرار صادر في 22 آب 1951 جناية أساس 494 وقرار 468)، وقررت محكمة النقض الفرنسية أنه لا يجوز لرئيس محكمة الجنايات أن يستمع بفضل السلطة التقديرية الى أحد رجال الضابطة العدلية كشاهد على واقعة تضمنها المحضر المنظم من قبله، إذا كان هذا المحضر قد تقرر بطلانه لعدم قانونيته من قبل الهيئة الاتهامية، لما في هذا الأمر من التعارض مع قرار قضائي سبق أن بت بالموضوع (28 آب 1926 النشرة الجنائية بند 223). وعلى هذا الأساس، فإن استعمال السلطة التقديرية لرئيس محكمة الجنايات المنصوص عليها في المادة 265 من قانون أصول المحاكمات الجزائية مشروط بعدم تناقضه مع قرار قضائي سبق له البت في الموضوع الذي يراد استخدام السلطة بشأنه. (كتاب 18565 تاريخ 22 / 12 / 1964) وزير العدل