استغلال الطيش بوصفه من عيوب الرضا يقتضي توافر اختلال فادح في التزامات العقد مع قيام حالة طيش بيّن أو هوى جامح استغلها المتعاقد الآخر، فإذا انتفى هذا الاختلال أو لم يثبت الطيش قانوناً وجب رد الدعوى.
اذا ثبت ان العقد المتفق عليه جرى بدافع الطيش الذي استغله الطرف الاخر فإنه يقتضي إيجاد التعادل بين التزامات الطرفين .أما إذا كان المدعي تام الأهلية حين إجراء العقد، وكان الفرق بين الثمن الحقيقي والمسمى في العقد لا يشكل غبناً يؤدي إلى اختلال التوازن الفاحش الذي أوجبه المشرع في الاستغلال، فإن ذلك يوجب رد الدعوى. المناقشة: تقدم المدعي خليفة الى المحكمة الابتدائية بدير الزور باستدعاء مؤرخ في ١٩٥٩/٦/٢٤ ادعى فيه انه يملك العقار رقم ٩٤٨ من المنطقة العقارية الثالثة بدير الزور وانه مصاب بالزائدة وتنتابه نوبات مرضية يفقد فيها وعيه وان المدعى عليه اسماعيل استغل فيه هذه الحالة فاشترى منه العقار المذكور بخمسة آلاف ليرة سورية في حين ان قيمته تبلغ أضعاف هذا المبلغ مستغلا طيشه البين وهواه الجامح وان المدعى عليه اسماعيل نقل الملكية الى ولديه محمود ونوري محتفظا لنفسه بحق الانتفاع مدى الحياة ولذلك قدم يطلب الحكم بإلغاء عقد البيع للمغبن الفاحش فيه وحجز العقار واعادة الطرفين الى الحالة التي كانا عليها قبل العقد والا تعديل شروط العقد بحيث تصبح الالتزامات متعادلة وتضمين المدعى عليهم الرسوم والمصاريف والاتعاب وبنتيجة المحاكمة تبين للمحكمة ان قيمة العقار موضوع الدعوى قدرها الخبراء بمبلغ ٥۸۰۰ ليرة سورية وبما ان الفرق وقدره ثمانمائة ليرة سورية بين ثمن المبيع وقيمته المقدرة زهيد وعادي مما يجعل الادعاء بأن الغبن فاحش يستلزم الرد وبما ان المرض المدعى به لا يؤدي حسب العرف الى تصرفات شاذة وان المدعي ليس قاصرا ولا محجورا ولذلك قضت بتاريخ ١٩٥٩/١٢/٢٧ برقم أساس ۸۳ وقرار ٩٣ بريد دعوى المدعي ورفع اشارة الحجز عن صحيفة العقار وتضمين المدعي المصاريف والرسوم واتعاب المحاماة . ولما لم يقتنع المدعي بهذا الحكم استأنفه طالبا فسخه وتبين لمحكمة الاستئناف ان المدعي كان في حالة طيش بين ناشئة عن حالة مرضه والضغط الادبي والمعنوي الذي تعرض من قبل جيرانه مما يوجب انقاص التزامات المتعاقد المغبون بزيادة الثمن في هذه القضية وفقا لما جاء في تقرير الخبرة دون الحكم بإبطال العقد وعليه أصدرت الحكم المطعون فيه المتضمن قبول الاستئناف شكلا وموضوعا وفسخ الحكم المستأنف لعدم الحكم في تعديل التزامات الجانب المغبون وتعديل ثمن المبيع بجعله خمسة آلاف وثمانمائة ليرة سورية وإلزام المدعى عليه الاول اسماعيل بدفع ثمانمائة ليرة سورية للمدعي تتمة بدل المبيع موضوع الدعوى وتضمين المدعى عليه المذكور الرسوم والمصاريف واتعاب المحاماة النظر في الطعن ان دائرة المواد المدنية والتجارية لدى محكمة النقض بعد اطلاعها على استدعاء الطعن المؤرخ في ١٦ / ٤ / ١٩٦٥ وعلى القرار الصادر في ۹/۱/ ۱۹۹۰ بإحالة الطعن الى هذه الدائرة وغب الاستماع الى تقرير المستشار المقرر في الجلسة المعقودة للنظر في هذا الطعن اتخذت القرار الآتي: من حيث ان الطاعن يعتمد في طلب نقض الحكم على الأسباب التي يمكن تلخيصها فيما يلي:1. ان المحكمة ذهبت الى إلزام الطاعن بتتمة ثمن المبيع مفترضة انه ناقص الاهلية مخالفة أحكام المادة ٣۳۹۳ من القانون المدني التي اشترطت في مثل هذه الحالة ان يزيد الغبن على خمس القيمة 2. ان المحكمة افترضت عدم توافر الاهلية في المطعون عليه دون وجود مستند قانوني يؤيد ذلك وان ادعاءه بالمرض ليس من شأنه أن يفقده الاهلية القانونية التي يستلزم فقدانها توافر الحالات المنصوص عليها في المواد ١١٤ و ١١٥ و ١١٦ من القانون المدني فضلا عن ان المرض المدعى به لم يثبت بتقرير طبي يؤيده ، كلما لم يثبت وقوع الضغط الادبي على المطعون عليه من قبل جيرانه 3. ان الاخذ بادعاء المدعي لجهة المرض يوجب على المحكمة استثباته بإحالته الى طبيب مختص لمعرفة حالته الصحية . 4. ان قرار المحكمة يستقيم فيما لو صدر قرار بالحجر على المدعي.5. ان فرق الثمن الذي كشفه تقرير الخبرة والبالغ ثمانمائة ليرة لا ينطوي على أي غبن بالنسبة لمجموع الثمن وقدره خمسة آلاف ليرة هذا فضلا عن ان الطاعن تكبد نفقات التسجيل علاوة على المبلغ المذكورة 6. ان المحكمة لم تلحظ ان الاسعار تختلف تبعا للعرض والطلب وان قبول مثل هذه الدعاوى يلحق أكبر الضرر بالاستقرار في المعاملات وان معاملة الفراغ تستغرق وقتا طويلا لا يعقل أن يكون الطاعن فاقدا الوعى خلاله 7. ان المحكمة ذهبت الى ان المدعي أقدم على اجراء العقد بدافع الطيش الذي استغله الخصم دون تحقيق في هذه الناحية أخذا بأقوال المدعي المجردة من أي دليل وقررت انه كان مريضا وواقعا تحت ضغط جيرانه خلافا لأحكام المادة ۱۲۹ من القانون المدني . في مناقشة أسباب هذا الطعن: من حيث أن الدعوى التي يرفعها المطعون ضده تقوم على المطالبة بإلغاء البيع أو تعديل شروطه بصورة تصبح فيها الالتزامات متعادلة، تأسيساً على أن المشتري استغل طيشه في إحدى النوبات المرضية كما استفاد من مخاصمة الجيران له. ومن حيث أن الحكم المطعون فيه الذي ذهب إلى تعديل الثمن المتفق عليه في العقد أقام قضاءه على أن العقد جرى بدافع من الطيش الذي استغله الطرف الآخر. وأن تطبيق أحكام المادة 130 من القانون المدني يستتبع في مثل هذه الحالة إيجاد التعادل بين التزامات الطرفين. ومن حيث أن المشترع الذي اعتبر استغلال الطيش عيباً من عيوب الإرادة التي تشوب العقود اشترط لإبطالها توفر عنصرين: مادي، ينطوي على اختلال التعادل في الالتزامات اختلالاً فادحاً. ونفسي، يشف عن وقوع المتعاقد المغبون في حالة طيش بيّن أو هوى جامح يشغله المتعاقد الآخر. ومن حيث أن الحكم المطعون فيه الذي قرر تحقق الطيش البين قد رد وقائع الطيش إلى عاملين: الأول، استخلصه من مرض المطعون ضده. والآخر، استمده من وقوعه تحت حفظ جيرانه الأدبي. ومن حيث أن ما أورده الحكم المطعون فيه بهذا الشأن إنما ينطوي على الإكراه الناشئ عن الضغط الأدبي وانعدام الإرادة بسبب المرض، وهما عيبان آخران من عيوب الإرادة لا يتصلان بعنصر الطيش الذي يتمثل في حالة الاندفاع الخالية من التروي التي يقدم فيها المتعاقد على إجراء العقد دون اتخاذ الاحتياطات التي يمليها العقل المدبر. فإن ذهاب الحكم إلى استخلاص الطيش مع وقائع لا تؤدي إليه يجعله مشوباً بمخالفة القانون بصورة تعرضه للنقض. وحيث أن موضوع الدعوى صالح للحكم وترى المحكمة استبقاء القضية للفصل فيها. ومن حيث أن الحكم الابتدائي ذهب إلى رد الدعوى تأسيساً على أن المدعي كان تام الأهلية حين إجراء العقد. وأن الفرق بين الثمن الحقيقي والثمن المسمى في العقد لا يشكل غبناً يؤدي إلى اختلال التوازن بين التزامات الطرفين الاختلال الفاحش الذي أوجبه المشترع لتحقيق العنصر المادي في دعوى الاستغلال. ومن حيث أن هذا الحكم قد أحسن تطبيق القانون بصورة تستوجب تأييده. لذلك حكمت المحكمة ب: 1. نقض الحكم الاستئنافي المؤرخ في ١٣ آذار ١٩٦٠ 2. رد الاستئناف وتصديق الحكم الابتدائي المؤرخ في ١٩٥٩/١٢/٢٧