القطعية الجزائية لا تكون مانعة في الدعوى المدنية إلا بقدر ما تناولته وأفصحت عنه من مسائل لازمة للحكم، أما الوقائع أو الدفوع التي لم تكن محل بحث وفصل فلا تقوم بشأنها حجية مانعة، ويجوز معها الرجوع مدنياً بين المسؤولين المتضامنين وفقاً لعلاقتهم الداخلية.
ان الحجية للحكم الجزائي في الدعوى المدنية ينحصر مفعولها في المسائل التي تعرض لها هذا الحكم وفصل فيها وعليه فاذا قضى الحكم الجزائي بمسؤولية شركة التأمين استنادا الى عقد التأمين الذي اعطى المتضرر حقا مباشرا تجاه الشركة والى ان الشروط العامة في العقد تستثنى من يستأجر السيارة من مفعول العقد لاينطبق على واقعة الدعوى المتعلقة بالضرر الحاصل للاخرين فإن هذا الحكم لايمنع من سماع الدعوى المدنية القائمة على تحديد مسؤولية احد المحكوم عليهم المتضامنين تجاه الاخر المناقشة: تقدمت الشركة الطاعنة الى المحكمة الابتدائية بدمشق باستدعاء مؤرخ في ۱۹٥٧/٧/٢ ادعت فيه انها اجرت تأمينا ضد المسؤولية المدنية للسيارة رقم ۹۲۳۹ سورية باسم المدعى عليه سعيد . لمدة سنة تنتهي في ١٩٥٥/١١/١٧ وانه قد ذكر في الحقل المخصص لنوع استعمال السيارة ( خصوصي تعمل بالأجرة ( وخشية ان يساء تفسير هذه العبارة اشترطت الشركة في الشروط الخاصة على المتفق عليه ان يقود السيارة المؤمن عليها بصورة الزامية المؤمن له نفسه أو أحد مستخدميه الذين يعهد اليهم عادة بهذا العمل. وفي حالة مخالفة هذا الشرط يفقد المؤمن له جميع حقوقه في الضمانات المنصوص عنها في الوثيقة « وان المدعى عليه اجر السيارة خلافا لأحكام العقد الصريحة الى رجل يدعى ياسين كما هو ثابت بإفادة هذا الأخير لدى الشرطة وامام قاضي التحقيق وان مستأجر السيارة المذكور دعس الطفل محمد عدنان حاف الذي توفي عقب الحادث وان الشركة المدنية قد حكم عليها بالتكافل والتضامن مع صاحبي السيارة سعيد وافتكار ياسين المصري بمبلغ خمسة الاف ليرة سورية وان هذا الحكم اكتسب الدرجة القطعية مما اضطر الشركة الى ان تدفع بدل الحكم الى المتضررين وبما ان من حق الشركة ان تتمسك بأحكام عقد التأمين وان تعود على بما تدفعه الى المتضررين لعدم تقيده بشروط العقد بتأجير السيارة الى ياسين لذلك جاءت تطلب الحكم على المدعى عليه بمبلغ خمسة آلاف ليرة سورية المدعى به مع الرسوم والمصاريف والاتعاب. وبنتيجة المحاكمة تبين للمحكمة ان الشركة المدعية كانت طرفا في الدعوى الجزائية بصفتها الشركة المؤمنة وانها تدعى في هذه الدعوى بنفس الصفة وان الحكم الجزائي قضى باعتبار الشركة المدعية مسؤولة مدنيا عن الحادث بالاستناد الى احكام عقد التأمين موضوع الدعوى وقد رد اعتراضها من هذه الناحية وألزمها مع باقي المدعى عليهم في الدعوى المذكورة بالتضامن فيما بينهم بالتعويض عن الحادث وقد اكتسب هذا الحكم الدرجة القطعية وبذلك أصبحت مسؤوليتها ثابتة بالحكم المبرم المشار اليه وعلى ذلك قضت بتاريخ ١٩٥٨/٢/١٣ برقم اساس ٣٥٤ وقرار ٨٠ برد دعوى الجهة المدعية . ولما لم تقتنع الجهة المدعية بهذا الحكم استأنفته طالبة فسخه وتبين لمحكمة الاستئناف ان الفقرة الاولى من البند الأول من عقد التأمين تنص على ان الشركة تضمن التعويضات التي تفرضها على المتعاقد القوانين المتعلقة بالمسؤولية المدنية المعمول بها يوم توقيع العقد عند حصول حوادث جسمانية او مادية تصيب الغير بواسطة السيارات المؤمن عليها سواء أكان المتعاقد هو الذي يقودها أم غيره بشرط ان يكون السائق حاصلا عند وقوع الحادث على رخصة سير قانونية مجددة رسميا ، وان ما ورد في البند السادس من الشروط الخاصة من عقد التأمين ليس من شأنه ان يلغي او يعدل النص المشار اليه اعلاه لعدم ذكر ذلك في الشروط الخاصة وانه لم يتبين من مجمل الأوراق ان الجهة المستأنف عليها قد خالفت وقت الحادث نصوص عقد التأمين وعليه أصدرت الحكم المطعون فيه المتضمن تصديق الحكم المستأنف من جميع وجوهه . النظر في الطعن : ان دائرة المواد المدنية والتجارية لدى محكمة النقض بعد اطلاعها على استدعاء الطعن المؤرخ في ١٩٥٨/٧/٣٠ وعلى القرار الصادر في ١٩٦٥/٦/٢٨ بإحالة الطعن الى هذه الدائرة وغب الاستماع الى تقرير المستشار المقرر في الجلسة المعقودة للنظر في هذا الطعن اتخذت القرار الآتي: من حيث ان الطاعن يعتمد في طلب نقض الحكم على الاسباب التي تتلخص بما يلي : 1. ان المحكمة أخطأت فيما قضت به من وجود وحدة في السبب والموضوع والاطراف في الدعويين الجزائية والمدنية تمنع من سماع هذه الدعوى ذلك ان شركة التأمين وصاحب السيارة اختصما في الدعوى الجزائية كمدعى عليهم من قبل ورثة المغدور في حين انهما خصمان في الدعوى المدنية ، كما ان مستند الحكم في الدعوى الجزائية هو المسؤولية التقصيرية بينما ان المستند في الدعوى المدنية هو الخطأ العقدي ويترتب عدم توفر وحدة السبب والخصمين في الدعويين المذكورتين من جهة ، ومن جهة ثانية فان الحكم الجزائي لم يتعرض لمخالفة المدعى عليه لعقد التأمين الذي هو موضوع الدعوى المدنية فلا حجية للحكم الجزائي في أمر لم يفصل فيه فضلا عن ان الحكم على الشركة المؤمنة لدى القضاء الجزائي لا يحول دون حقها في الرجوع على المؤمن للأسباب المستمدة مخالفته لعقد التأمين وفقا لمقتضى المادة ۱۳۸ من قانون السير وان حكمة التشريع في هذا الشأن تتجلى في ان المشترع ان حظر على المؤمن له وبالتالي على المؤمن أن يحتج تجاه المتضرر بالدفوع الناتجة عن عقد التأمين والتي من شأنها تخفيض التعويض او الغائه فانه لابد من ان يفسح المجال لشركة التأمين لكي ترجع على المؤمن له فيما اذا ثبت عدم تقيده بأحكام العقد 2. ان المحكمة ذهبت لإلغاء الشروط الخاصة في العقد تأسيسا على ان هذه الشروط تتعارض مع الشروط العامة فلا يجوز اعمالها لما في ذلك من امكان حصول الخداع وادراج شروط لا ينتبه اليها المؤمن له . وان ما ذهبت اليه المحكمة في هذا الشأن ينطوي على مخالفة القانون من ناحيتين الأولى وهي ان الغاء هذه الشروط قد تم عفوا من قبل المحكمة دون سبق طلب من الجهة الطاعنة التي لم تثر طعنا بهذا الصدد واقتصرت في دفوعها على الاحتجاج بقوة القضية المقضية والثانية في انه لا يوجد نص قانوني يمنع تقييد شمول الضمان الوارد في الشروط العامة وقصره على حالات معينة لقاء تخفيض في بدل الضمان لان العقد شريعة المتعاقدين . والاصل هو اطلاق الحرية للمتعاقدين في تعديل المسؤولية العقدية بالاتفاق 3. ان المسؤولية تترتب تبعا للحيازة وبما ان السيارة خرجت من حيازة المؤمن له بتأجيرها من الغير فان المسؤولية بكاملها تقع على عاتق المستأجر مما يترتب عليه اعفاء الشركة التأمين من الضمان تبعا لانعدام مسؤولية المؤمن له والجواز بالرجوع على المؤمن له فيما دفعته عنه فاذا تعذر الرجوع الكلي فان من حق الشركة ان ترجع عليه بحصته من المبلغ المحكوم به ذلك انه في حال تعدد المسؤولية وعدم تعيين القاضي نسبة مسؤولية كل منهم فان المبلغ المحكوم به يقسم بالتساوي بينهم وفقا لما نصت عليه المادة ۲۷۹ من القانون المدني وان الحكم المطعون فيه الذي لم يرد على هذا الدفع يغدو مشوبا بالقصور ويستوجب النقض في مناقشة السبب الأول : من حيث ان الحجية التي تثبت للحكم الجزائي في الدعوى المدنية ينحصر مفعولها ضمن نطاق المسائل التي تعرض لها هذا الحكم وفصل فيها للحيلولة دون صدور احكام مدنية تتناقض مع ما قرره الحكم الجزائي وذلك على اعتبار ان المشترع قد احاط الاجراءات امام المحاكم الجزائية المتعلقة بأرواح الناس واعراضهم بضمانات يقتضي معها ان يكون الحكم الجزائي محل ثقة الناس كافة فاذا ما اختلفت الوسائل والاسباب التي تعرض لها الحكم الجزائي عن تلك التي استند اليها الحكم المدني فانه لا شيء يحول دون ادانة من قضى الحكم الجزائي بتبرئته او بالعكس اذ لا يقوم في مثل هذه الحالة تناقض بين الحكمين يسيء الى قوة الحكم الجزائي او يخل بالاعتبار الذي يجب ان يبقى محفوظا له ومن حيث تبين من الرجوع الى الحكم الجزائي انه قضى بمسؤولية شركة التأمين المتخلفة عن عقد التأمين تأسيسا على ان عقد التأمين يعطي المتضرر حقا مباشرا تجاه الشركة في حدود المبلغ المؤمن عليه وعلى ان البند الاول من الشروط العامة الذي يستثنى من يستأجر السيارة من مفعول عقد التأمين لا ينطبق على واقعة الدعوى لان المقصود منه هو عدم الزام الشركة بالحوادث التي تصيب نفس هؤلاء المستأجرين دون باقي الحوادث التي تصيب الآخرين ومن حيث ان الدعوى التي رفعتها الشركة امام القضاء المدني تقوم على ان الشروط الخاصة الملحقة بالعقد ترتب على المؤمن له بصورة الزامية ان يقود السيارة بنفسه او بواسطة احد مستخدميه الذين يعهد اليهم عادة بهذا العمل وان المؤمن له خلافا لشروط العقد عهد بالسيارة الى شخص يدعى ياسين. وهو من غير مستخدميه وان مخالفته لهذا الشرط تستوجب فقدانه لجميع حقوقه اعمالا لصريح منطوق البند ومن حيث ان موضوع هذه الدعوى التي ترجع في مساءلة المؤمن له عن مخالفته شروط العقد في شخص قائد السيارة في شخص قائد السيارة لم تكن مطروحة امام القاضي الجزائي ولا علاقة لها بالدفع المثار امامه والمتعلق بموضوع آخر فان حجية الحكم الجزائي لا تمنع من سماع هذه الدعوى المدنية التي ترمي الى تحديد مسؤولية احد المحكوم عليهما المتضامنين تجاه الآخر وبالتالي فان الحكم المطعون فيه الذي سار على خلاف هذه المبادئ مشوب بمخالفة القانون من هذه الناحية بصورة تعرضه للنقض. في مناقشة السبب الثاني : من حيث ان الحكم المطعون فيه الذي قضى برد الدعوى اقام قضاءه على ان البند السادس من الشروط الخاصة الذي تم فيه الاتفاق على ان يقود السيارة المؤمن له او احد مستخدميه انما يتناقض مع البند الأول من صك التأمين الذي رتبه مسؤولية الشركة في جميع الحالات التي يكون فيها سائق السيارة حاملا اجازة سوق ورخصة سير قانونية وعلى انه لا يجوز في عقد التأمين ان ترد البنود الخاصة لاغية لبنود الشروط العامة على اعتبار ان اقرار هذا المبدأ يفسح المجال امام شركات التأمين لخداع المؤمن له بأن تذكر في الشروط العامة امورا تلغى بالشروط الخاصة دون ان ينتبه اليها المؤمن ومن حيث ان عقد التأمين كغيره من العقود يعتبر شريعة المتعاقدين ويخضع للأحكام العامة التي تسود العقود فلا يجوز تعديله الا بإرادتهما او وفق ما يقرره القانون ومن حيث ان المتعاقدين الحقا بالشروط العامة لصك التأمين ملحقا خاصا ضمناه شروطا تقيد الضمان الوارد في البنود العامة وتحصره بحالات معينة لا تقوم مسؤولية الشركة الطاعنة الا عند تحققها ومن حيث ان هذا الملحق يعتبر جزءا متمما لوثيقة التأمين يندمج معها ويكون معها وحدة فاذا تعارضت شروطه مع شروط الوثيقة المذكورة وجب ترجيح شروطه لأنها هي التي تفصح عن ارادة الطرفين على اعتبار ان النص الخاص يقيد النص العام في حدود المسائل التي تتناولها. ومن حيث ان احترام ارادة الطرفين يوجب اعمال الشروط الخاصة الواردة في العقد ولا يجوز الخروج عنها او ابطالها الا في الاحوال التي رسمها القانون ومن حيث ان المادة ٧١٦ من القانون المدني عينت الشروط الواجبة الابطال بحكم القانون على وجه التحديد . بشكل لا يمتد في اثره الى الحالة المعروضة في هذه القضية الناجمة عن اتفاق خاص برز بشكل ظاهر فان الحكم المطعون فيه يغدو مشوبا بمخالفة القانون بصورة تعرضه للنقض عملا بأحكام المادتين ۱ و ۲۳ من قانون حالات واجراءات الطعن امام محكمة النقض رقم ٥٧ لسنة ١٩٥٩ ومن حيث ان نقض الحكم لهذين السببين يعني عن البحث في السبب الثالث الذي يمكن اثارته عند الاقتضاء امام محكمة الموضوع . لذلك حكمت المحكمة 1. بنقض الحكم المطعون فيه 2. بإحالة القضية الى المحكمة مصدرة الحكم للعمل على اتباع النقض