النص الذي يقرر المسؤولية عند اجتماع أسباب مختلفة للوفاة لا يطبق إلا إذا ثبت أن فعل الجاني كان أحد الأسباب المساهمة في الوفاة؛ أما إذا انتفت العلاقة السببية بين فعله والنتيجة، فلا محل لإعماله.
إن حمل الحكم على عدم قيام الرابطة السببية وانتفائها لا يسمح بتطبيق المادة/203/عقوبات إذ أن مجال تطبيقها هو اجتماع أسباب مختلفة للوفاة ولا محل لتطبيقها عند انتفاء هذه الرابطة المناقشة: إن الحكم المطعون فيه لخص واقعة الدعوى في انه كانت توجد منازعات مدينة بين المجنى عليه جان وبين الطاعن المتهم فريد، وانه رفعت ضد المجني عليه دعوى إفلاس تدخل فيها المتهم بوصفه دائناً، كما رفع المجني عليه دعوى ضد المتهم بالربا الفاحش وأنه في يوم الحادث 29/10/1959 التقى الإثنان في حفل أقامته القنصلية التركية في دمشق وتعاتبا وتجادلا وخلال ذلك صفع المجنى عليه المتهم ورشق المتهم المجنى عليه بمحتويات كأس شراب ثم انصرفا من دار القنصلية وتقابلا ثانية أمام دار المجنى عليه وعادا إلى المجادلة ودخلا الدار وبعد قليل غادر المتهم وظهرت على المجنى عليه أعراض نوب قلبية توفي على أثرها.وجاء في الحكم أنه وضعت ثلاثة تقارير طبية أحدها من لجنة ثلاثية والثاني من لجنة خماسية والثالث من لجنة ثمانية ويؤخذ منها أنها أجمعت على أن سبب الوفاة حالة مرضية بالقلب وأن هذه الحالة قد سببت وفاة المجنى عليه بدون أي عامل خارجي، كما لم يساعد على الوفاة أي عنف عادي أو انفعال نفسي أو برد أو تعب أو تخمة أو شراب.وقرر الحكم المطعون فيه أن الفعل المادي الذي ثبت وقوعه من التهم باعترافه رشق المجنى عليه بمحتويات كأس الشراب في دار القنصلية وأنه فعل ذلك قبل أن يصفعه المجنى عليه، كما ثبت أن حاول ضربه وهدده، ونفى الحكم واقعة الضرب المسندة إلى المتهم كما نفى واقعة الإمساك بالمجنى عليه من صدره وقرر أن الأفعال المادية المنحصرة في الرشق بمحتويات الكأس والتماسك والتجادل لا تكون قانوناً الفعل المادي الذي تشترطه المادة 536 من قانون العقوبات والتي وجهت إلى المتهم التهمة الخاصة بها لأن هذا الفعل يشترط أن يكون على درجة من الخطورة تتناسب والعقوبة المقررة لهذه الجريمة، لذا قرر الحكم أنه حتى لو قيل أن الرشق والتماسك والتجادل يكون الركن المادي للجريمة فإنه لا يوجد ما يدل على أن وفاة المجنى عليه تسببت عنها مادام الثابت من التقارير الطبية أن الوفاة يحتمل أن تكون قد حدثت بسبب الحالة المرضية وحدها أو بسبب البرد أو التعب أو التخمة أو الشراب، وقضى الحكم من أجل ذلك ببراءة المتهم.وحيث أن المحكمة ترى أن تبين أولاً حكم القانون السوري في المادة 536 من قانون العقوبات وقد أشارت المذكرة الإيضاحية لهذا القانون إلى أنه استقى أحكامه من مصادر متعددة بحيث لا يمكن الرجوع إلى واحد منها لبيان حكم هذه المادة بوضوح ولا معدى بعد ذلك من الاعتماد في تفسيرها على نصها ذاته وعلى اسم الفصل الذي وردت فيه وهو الفصل الأول الخاص (بالجنايات والجنح الواقعة على حياة الإنسان وسلامته) من الباب الثامن من قانون العقوبات الخاص بالجنايات والجنح التي تقع على الأشخاص، وقد تردد التشريعات المختلفة بين الأخذ بالنظرية التقليدية التي تحتم وقوع فعل مادي على جسم المجني عليه كالضرب أو إحداث الجرح، أو فعل مادي يصل في خطورته إلى الدرجة التي توازي ذلك وبين النظرية الحديثة التي تكتفي بوقوع أي عمل مادي أو معنوي جسيم أو طفيف، وترى المحكمة أن القانون السوري أخذ بنظرية تتوسط بينهما، فعبارة (الضرب أو العنف أو الشدة أو أي عمل آخر) تفيد من جهة أن الركن المادي في هذه الجناية لا يقوم إلا بعمل مادي يأتيه المتهم، كما أن عبارة (أي عمل آخر مقصود) وهي عبارة واسعة تفيد من جهة أخرى أن الفعل المجرم لا يشترط أن يقع على جسم المجنى عليه بضرب أو جرح، كما لا يشترط أن يكون على درجة معينة من الجسامة، فطالما أن الفعل المادي وقع من المتهم فإن الركن المادي للجريمة يتوافر أياً كان درجة الفعل، وسواء وقع على جسم المجنى عليه مباشرة أو بطريقة غير مباشرة. والفصل في هذا كله هو توافر أو عدم توافر قصد إيذاء المجنى عليه دون قصد القتل، فإذا دل الفعل المادي في ذاته أو في ظروف ارتكابه على أن الجاني قصد إيذاء المجنى عليه وتسبب الإيذاء في الوفاة، انطبقت أحكام المادة 536 من قانون العقوبات، كما يلاحظ أن الإيذاء قد يكون بإحداث جرح أو بالضرب أو بعمل قصد به أن يعطل وظيفة عضو من أعضاء الجسم كلياً أو جزئياً، ومن قبيل ذلك أن يعطي الجاني المجنى عليه مادة مخدرة بقصد إحداث تسمم بسيط أو إفقاد الوعي أو أن يعطيه شراباً بقصد إحداث قرحة في معدته أو أمعائه أو أن يسلط عليه أشعة بقصد تعطيل عضو من أعضائه أو أن يحدث صوتاً مزعجاً فجأة بالقرب من المجنى عليه وهو واقف على حافة منحدر بسيط بقصد إسقاطه المجنى وإحداث جرح به كل هذا إذا ثبت قصد الإيذاء على هذه الصورة وتسبب هذا الإيذاء الذي قصده الجاني في وفاة المجنى عليه دون قصد القتل من جانب الأول، ولعل ما دعا البعض إلى الوقوع في اللبس، أن الفعل المادي الذي يرتكبه الجاني بطريقة غير مباشرة على جسم المجنى عليه يصعب أن يدل بذاته على نية الإيذاء وهو ركن أساسي يتعين توافره في هذه الجريمة.وعليه فإن الحكم المطعون فيه قد أخطأ عندما ذهب إلى الإمساك بالمجنى عليه وهزه من صدره لا يشكل في ذاته الركن المادي للجريمة، وكان الحكم يكون سليماً لو أنه دلل على أن الإمساك والهز لا يدلان بذاتهما ولا في ظروف الحادث على نية الإيذاء.على أن المحكمة ترى أن هذا الذي وقع فيه الحكم من خطأ قانوني لا يؤثر على النتيجة التي انتهى إليها فإن في حكم البراءة من الأسباب الصحيحة قانوناً ما يكفي لحمله بكيفية قاطعة ذلك أن الحكم بعد أن استبعد حصول الضرب بأسباب سائغة، وقرر بحصول الإمساك فرضاً وبحصول المجادلة والتهديد ومحاولة الضرب وبحصول الرشق بمحتويات كأس الشراب باعتراف المتهم، بعد أن قرر ذلك كله عاد فافترض وقوع هذه الأفعال كلها ما ثبت منها وما لم يثبت، كما افترض أنها تكون جميعاً الركن المادي للجريمة، وقرر أن الثابت من جميع التقارير الطبية أن وفاة المجنى عليه نتجت عن حالة مرض بالقلب، وأن هذه الحالة المرضية قد تسببت وفاته وهو نائم في فراشه بغير تدخل أي عامل خارجي، كما قد تحدث نتيجة الإفراط في الطعام أو الشراب أو بسبب البرد أو بسبب أي فعل من الأفعال المسندة إلى المتهم احداثها وأنه لا يمكن من أجل ذلك الاطمئنان إلى قيام الرابطة السببية بين هذه الأفعال والوفاة، ولا يؤثر على هذه الحقيقة السليمة المسندة إلى إجماع التقارير الطبية ما استطرد إليه الحكم في غير موجب من بحث نظرية السببية المباشرة وغير المباشرة، إذ سواء أخذ بهذه النظرية أو تلك فإن المحكمة قد أصابت عندما انتهت للأسباب السالفة إلى عدم الاطمئنان إلى الدليل على قيام الرابطة السببية أياً كانت، وبالتالي فإنه لا محل لما ذهبت إليه الطاعنات من وجوب تطبيق المادة 550 من قانون العقوبات في القليل باعتبار أن المتهم تسبب بخطئه في وفاة المجنى عليه، لا محل لهذا طالما أن الرابطة السببية بمعناها الواسع قد انتفت.كذلك لا محل لما ذهبت إليه النيابة من أسباب الحكم تؤدي طبقاً للمادة 309 من قانون أصول المحاكمات الجزائية إلى عدم المسؤولية لا إلى البراءة، ولا محل لذلك طالما أن النتيجة التي انتهى إليها الحكم بنيت على عدم ثبوت رابطة السببية بين الأفعال التي أتاها المتهم والوفاة. وحيث أن حمل الحكم على عدم قيام الرابطة السببية وانتفائها لا يسمح بتطبيق المادة 203 من قانون العقوبات إذ أن مجال تطبيقها هو اجتماع أسباب مختلفة للوفاة من بينها الأسباب المسندة إلى الجاني، ولا محل لتطبيقها عند انتفاء هذه الرابطة كما سبق البيان.