إذا طرأت بعد إبرام الالتزام الإداري أو العقد حوادث استثنائية عامة غير متوقعة، وأصبحت بسببها التزامات الملتزم مرهقة على نحو يخلّ بالتوازن الاقتصادي للعقد، جاز للقاضي إنقاص البدل إلى الحدّ المعقول بما يرفع الإرهاق دون أن ينفي أثر العقد كله.
ان موجة الصقيع التي شملت الإقليم السوري والقطيعة التي وقعت بين سوريا ولبنان تعتبر من الحوادث المفاجئة التي تدعو الى رد الالتزام الذي اصبح مرهقا بنتيجتها الى الحد المعقول . المناقشة: ادعى وكيل عمر لدى مجلس الشورى في دمشق على وزارة المال السورية قائلا ان موكله كان التزم من الجهة المدعى عليها صيدية سمك الداليان في قضاء الجسر لمدة ثلاث سنوات تبدأ من اول ايلول ١٩٤٩ وتنتهي في غاية آب ١٩٥٢ وذلك ببدل قدره ستة واربعون الف ليرة سورية عن كل سنة وانه استحال عليه هذا دفع المبلغ عن السنة الأولى لسببين قاهرين لا يد له فيهما وهما : ١ ان سمك الداليان الذي من نوع الحنكليس لا يباع الا في الاسواق اللبنانية وبما ان النقل كان حرا بين سوريا ولبنان وقت الالتزام ثم حصلت القطيعة بين البلدين بعد الالتزام فان الرسوم الجمركية الباهظة المفروضة عليه جعلت تصديره مستحيلا ۲ – ان الصقيع والبرد اللذين حصلا في ذلك العام بشكل لم يسبق له مثيل من قبل جعل السمك يهبط الى الاعماق التماسا للدفء بصورة استحال معها الصيد . وبما أن وبما أن موكله قد طلب الى وزارة المال آنئذ تنزيل بدل الالتزام عن العام الاول للسببين المذكورين وتأجيل الاقساط المستحقة ريثما يبت بأمر التنزيل واسقاط بدل الالتزام عنه ورفضت وزارة المال طلبه ، فقد جاء يطلب اعطاء القرار بوقف التنفيذ والحكم لموكله بالتنزيل ومنع الجهة المدعى عليها من معارضته بمقدار الاضرار وبعد أن قرر المجلس المنوه به اجابة طلب المدعي وتوقيف التنفيذ احيلت اضبارة القضية من قبل رئيس المحكمة العليا بعد الغاء مجلس الشورى الى المحكمة البدائية المدنية للبت بالدعوى فتقدم وكيل المدعي للمحكمة المذكورة باستدعاء تضمن طلب فسخ الالتزام ومنع الجهة المدعى عليها من معارضة موكله والزامها بمبلغ خمسين الف ليرة سورية بدل الاضرار التي أصابته وتضمينها الرسوم والاتعاب في نتيجة المحاكمة بعد أن قررت محكمة البداية اجراء الخبرة والتحقيق المحلي قضت بتاريخ ۱۱/۲۹/ ١٩٥١ بالاستناد الى ما ورد في تقرير الخبير المؤرخ في ١٩٥١/٧/١٩ والى التحقيق المحلي رد دعوى المدعي فسخ الالتزام وتنزيله الى الخمسين بالمائة من اصل البدل الذي أحيل عليه في السنة الاولى ١٩٥٩/١٩٤٩ وتضمين الطرفين الرسوم والمصاريف . فاستدعى وكيل المدعي استئناف هذا القرار لدى محكمة الاستئناف المدنية في دمشق كما استأنفه تبعيا وكيل الجهة المدعى عليها وبنتيجة المحاكمة قررت المحكمة بتاريخ ١٩٥٣/١٠/٦ تصديق الحكم المستأنف. ولما لم يقتنع المدعي بهذا الحكم طعن فيه بطريق النقض كما استدعى وكيل الجهة المدعى عليها تمييزه تبعيا وبنتيجة التدقيقات التمييزية تبين لمحكمة النقض أن محكمة الاستئناف صدقت الحكم البدائي دون ايضاح التباين والغموض فيه ودون استجلاء ما قصده الخبير في البندين الثاني والثالث لمعرفة ما اذا كان حدوث ما ذكره الخبير فيهما واقعا في شتاء ١٩٥٠ موضوع الدعوى الاولى رقم ٥٦٠ أم واقعا بعد عام ١٩٤٩ هذا العام وهو موضوع الدعوى الثانية رقم ٥٠٣ الموحدة مما يجعل الحكم الاستئنافي سابقا اوانه وعليه نقضت الحكم المذكور بقرارها المؤرخ في ١٩٥٦/۷/۱۳ رقم ٠١٢٧/٧ وبنتيجة المحاكمة بعد النقض تبين لمحكمة الاستئناف ان عقد الالتزام موضوع الدعوى ليس عقد ايجار لأنه ذو كيان خاص عقد لتحقيق المسائل المحدودة فيه وذو شكل اداري وطبيعته تباعد بينه وبين عقد الايجار وهو شريعة المتعاقدين ولا يجوز نقضه أو تعديله الا باتفاق الطرفين لكن يجوز للقاضي أن يرد الالتزام المرفق الى حده المعقول اذا تيقن من وقوع حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وقد تبين لها بعد مناقشة الخبير ان الصقيع حدث في شتاء ١٩٤٩ – ١٩٥٠ فقط فكان أثره على موسم هذا العام من الصيد فجعله بنسبة ضئيلة وكنت أمرا طارئا غير متوقع اما الحوائل الجمركية فكانت في السنتين التاليتين ١٩٥٠ – ١٩٥٢ وكذلك نقصان الاسماك بسبب قلة مياه نهر العاصي وقلة الامطار وان الاضرار الناجمة عن ذلك تنقص من مقدار الانتفاع بنسبة %٤٠ لهذه السنوات علاوة وعلى اضرار الصقيع التي قدرت ۱۳ %، وبما ان موجة الصقيع والقطيعة الجمركية بين سوري ولبنان من الحوادث الاستثنائية التي لم يمكن توقعها عند ابرام العقد والتي أضرت بالمدعي مما يوجب تنزيل بدل الالتزام الى القدر الذي يتلاءم والمنفعة الجزئية التي عادت على الملتزم ، وبما ان انخفاض مياه النهر في السنتين الثانية والثالثة ليس من الحوادث الاستثنائية غير المتوقعة ، وبما ان وزارة المالية قد انهت الالتزام على أثر توقف الملتزم اداء ما استحق من بدل ومنحته لآخرين ابتداء من ١٩٥١/٦/٧ حتى نهاية المدة مما يتعين معه جعل سريان التخفيض عن المدة ابتداء من العقد حتى ١٩٥١/٦/٦ ومنع معارضة وزارة المالية للخصم في بدل الالتزام عن المدة اللاحقة، وبما ان تخفيض مقدار البدل بمقدار ما نقص من الانتفاع يفي بالتعويض المدعى به وعليه اصدرت الحكم المطعون فيه المتضمن : ١ – قبول الاستئناف الاصلي موضوعا وتعديل الحكم المستأنف وذلك برد الدعوى يفسخ الالتزام موضوع الدعوى من اول ايلول ١٩٤٩ الى ٦ حزيران ١٩٥١ وتنزيل بدل الالتزام عن هذه المدة الى خمسين في المائة من اصل البدل الذي احيل به على المستأنف في المدة المذكورة ومنع الوزارة في اكثر من ذلك ، ٣ فسخ الالتزام عن باقي المدة ومنع معارضة الوزارة للمستأنف فيها ورد طلب المستأنف التعويض بالأضرار ، ٣ مصادرة ربع التأمين الاستئنافي وقيده ايرادا للخزينة ورد الباقي لمسلفه ، ٤ تضمين الجهة المستأنفة نصف الرسوم والنفقات وتضمين المستأنف عليها النصف الآخر من النفقات ولا مجال لتضمينها شيئا من الرسوم لأنها دائرة معفاة وفي موضوع الاستئناف التبعي : رده موضوعا و اعتبار اتعاب المحاماة متهادرة بين الطرفين. فحص الطعن : ان دائرة فحص الطعون لدى محكمة النقض بعد اطلاعها على استدعاء الطعن المؤرخ في ۱۹٦۰/۱۱/۲۸ وعلى مذكرة النيابة العامة المتضمنة طلب رفض الطعن وعلى كافة اوراق الطعن وغب الاستماع الى تقرير المستشار المقرر في الجلسة المعقودة لفحص هذا الطعن اتخذت القرار الآتي : من حيث ان الجهة الطاعنة تعتمد في طلب نقض الحكم على الاسباب التي تتلخص فيما يلي: 1. ان السمك السوري المنشأ هو من المواد الحيوانية ولا يخضع لاي رسم جمركي والدفع الذي جاء به الخصم حول جواب الجمارك السورية ينطوي على تهاتره وان الاسباب التي ادلى بها المطعون ضدهم لم تتأيد كما ثبت بالتحقيق القضائي . 2. ان شدة البرد والاستسقاء من نهر العاصي لري الاراضي لا يعتبران من الحوادث الاستثنائية . 3. ان لمحكمة النقض حق تمحيص توفر صيغة الاستثناء في الحوادث المشار اليها في الرد على هذه الاسباب : من حيث ان النزاع يدور حول تعديل التزام صيد الاسماك جراء طروء حوادث استثنائية عامة جدت بعد ابرام العقد وجعلت تنفيذه مرهقا ومن حيث ان الحكم المطعون فيه الذي تناول العقد بالنقض والتعديل اقام قضاءه على ان موجة الصقيع الاستثنائية التي شملت الاقليم السوري في شتاء العام الأول من سني الالتزام والقطيعة التي وقعت بين سوريا ولبنان في الفترة التالية يعتبران من الحوادث العامة المفاجئة التي تدعو الى رد الالتزام الذي اصبح تنفيذه مرهقا الى الحد المعقول اعمالا لحكم المادة ١٤٨ من القانون المدني ومن حيث ان هاتين الحادثتين العامتين اللتين جدتا بعد العقد بصورة استثنائية غير منتظرة ولا مألوفة انما اخلتا بالتوازن الاقتصادي للعقد اخلالا خطيرا على الوجه الذي قرره الخبير بهذا الشأن ومن حيث ان ما أقيم عليه الحكم لا يخرج عن نطاق المبادئ العامة للحوادث الطارئة المقررة في القانون فان اسباب الطعن تبدو غير جديرة بالعرض على دائرة المواد المدنية ويتعين رفضها تطبيقا للمادة ١٠ من القانون رقم ٥٧ لسنة ١٩٥٩ لذلك حكمت بالإجماع برفض الطعن